تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
لعادته فلا يتذمر منها ولا يدعي ما يدعيه الجندي العربي من سوء الحالة ، ولا يراها صالحة أن تكون عذرا يبيح له الهرب من الجندية . تراه يهجم على عدوه الذي يمطره وابلا من الرصاص والقنابل وهو جائع عريان غير هيّاب ولا وجل ، لا يحدث نفسه بمخالفة أمر قائده ولا بالهرب من الجندية مهما اقترب منه الخطر وحاق به الهلاك . قيل : إن أول من مدح الترك وأثنى على شجاعتهم علي بن عباس الرومي في قوله :
إذا ثبتوا فحصن من حديد * تخال عيوننا منه تحار
وإن برزوا فنيران تلظّى * على الأعداء يضرمها استعار
وقال آخر في حق القفجق :
وفتية من كماة الترك ما تركت * للرعد كبّاتهم صوتا ولا صيتا
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة * حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
قال الجاحظ في آخر رسالته : وقد انتظمت للتركي جميع معدّات الحرب ففاق بها جميع الأمم ، ومن حاز هذه المحاسن فقد حاز مزايا ينطوي تحتها الكرم وبعد الهمة وأصالة الرأي والفطنة والحكم والعزم والحزم والكتمان والثقافة والبصر في الخيل والسلاح والخبرة بالرجال والبلاد ، إلى آخر ما يحتاج إليه المحارب من أساليب القيادة وتعبئة الجيوش والخدع الحربية .

معارف الأتراك

كل من كتب شيئا عن أحوال الأتراك أقرّ بشجاعتهم وشدة بأسهم ، حتى قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي في كتابه طبقات الأمم : إن ملوك الترك يسمون ملوك السباع لما اتصفوا به من الشجاعة وشدة البأس . غير أن جميع من وصفهم بهذه الأوصاف وخصهم بتلك المزايا قد سكت عن بقية صفاتهم الحميدة ومنهم من عدّهم من الأمم التي لم تعن بالعلوم والفنون . وقد نشأ ذلك من عدم التدبر « 1 » والتبصر في أحوال هذه الأمة
هامش
( 1 ) في الأصل : « التبدر » تحريف بالقلب .