الجدّ - رحمه اللّه تعالى ! - واجتاز إلى المغرب كما تقرّر في غير هذا ، كلف به ، وأنس إليه ؛ لحلاوة منطق ورفع استيحاش ومراوضة خلق ، ثم كرّ في صحبة ركابه فعلت منزلته ، ولطف محلّه .
وقفنا على رقعة من رقاعه وهو يبدئ فيها ويعيد ، ويقول : خدمته سبعا وثلاثين سنة :
ثلاثا بالمغرب ، وباقيها بالأندلس ، أنشدته فيها ستّا وستين قصيدة في ستة وستين عيدا ، وكلّ ما في منازله السعيدة من القصر والرياض والدشار « 1 » والسبيكة من نظم رائق ، ومدح فائق ، في القباب والطاقات والطرز وغير ذلك فهو لي ، وكنت أواكله وأواكل ابنه مولاي أبا الحجاج ، وهما كبيرا ملوك أهل الأرض ، وهنأته بكذا وكذا قصيدة ، وفوّض لي في عقد الصلح بين الملوك بالعدوتين ، وصلح النصارى عقدته تسع مرات ، ألخسّة فوّض إليّ ذلك ؟
قلنا : صدق في جميع ما ذكره ، والعقود بذلك شاهدة له . وخصّه عام ثلاثة وسبعين بكتابة سرّه ، واستعمله بعد أعوام في السفارة بينه وبين ملوك عصره ، فحمد منابه « 2 » ، ونمت أحواله ورغد جنابه ، وكان هنالك بعض تقوّلات تشين وجه اجتهاده ، وتومىء بما احتقبه « 3 » من سوء مقاصده وما صرفه من قبيح أغراضه ، وهاجت الفتنة ، فكانت سفارته أعظم أسبابها .
وعند الأشدّ من عمره عرضت لأفكاره تقلّبات ، وأقعدته عن قداح السياسة آفات مختلفات ، وأشعرته حدّة ذهنه أن يتخبّط في أشراك رقعات ، فقعد بجامع مالقة ثم بمسجد الحمراء ملقيا على الكرسي فنونا جمّة ، وعلوما لم يزل يتلقّاها عن أولياء التعظيم والتجلة ، فانحاز « 4 » إلى مادة أمم بمالقة طما منهم البحر ، وتراءى لأبصارهم وبصائرهم الفخر ، وكان التفسير أغلب عليه لفرط ذكائه ، وما كان قيده وحصله أيام قراءته وإقرائه ، فما شئت من بيان ، وإعجاز قرآن ، وآيات توحيد وإخلاص ، ومناهج صوفية تؤذن بالخلاص ، يوم الأخذ بالنواص « 5 » ، ومرارا عدة سمع ما يلقيه وليّ الأمر ، ويا شدة البلوى التي أذاقه مرّها ، وأمطاه إلى طيّة الهلاك ظهرها ، ويا قرب ما كان الفوت ، والحسام الصّلت ، من متباعد هذه القرب التي ألغيت .
هامش
( 1 ) الدشار : القرية .
( 2 ) منابه : مصدر ميمي من الفعل ناب عنه ينوب .
( 3 ) احتقب فلان الإثم : ارتكبه .
( 4 ) انحاز : مال .
( 5 ) النواصي : جمع ناصية وهي الرأس ، ويؤخذ بالنواصي أراد به يوم القيامة ، وفي التنزيل العزيزيُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ[ الرحمن : 41 ] .