تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
معوّلا على الإقامة والرحال تشدّ ، كأني بك وقد أوثق الشّدّ ، وألصق بالوسادة الخدّ ، والرّجل تقبض والأخرى تمدّ ، واللسان يقول
يا لَيْتَنا نُرَدُّ
[ سورة الأنعام ، الآية : 72 ] : [ السريع ]
إنّا إلى اللّه وإنّا له * ما أشغل الإنسان عن شانه
يرتاح للأثواب يزهى بها * والخيط مغزول لأكفانه
ويخزن الفلس لورّاثه * مستنفدا مبلغ أكوانه
قوّض عن الفاني رحال امرئ * مدّ إليه عين عرفانه
ما ثمّ إلّا موقف زاهد * قد وكّل العدل بميزانه
مفرّط يشقى بتفريطه * ومحسن يجزى بإحسانه

[ من إنشاء لسان الدين يخاطب طالب موعظة ]

يا هذا ، خفي عليك مرض اعتقادك فالتبس الشحم بالورم ، جهلت قيم المعادن فبعت الشّبه بالذهب ، فسد حسّ ذوقك فتفكهت بحنظله ، أين حرصك من أجلك ؟ أين قولك من عملك ؟ يدركك الحياء من الطفل فتتحامى حمى الفاحشة في البيت بسببه ، ثم تواقعها بعين خالق العين ، ومقدر الكيف والأين ، تاللّه ما فعل فعلك بمعبوده ، من قطع بوجوده
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ
[ سورة المجادلة ، الآية : 7 ] إلى
عَلِيمٌ
[ سورة المجادلة ، الآية : 7 ] تعود عليك مساعي الجوارح التي سخّرها لك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة ، فتبخل منها في سبيله بفلس ، وأحد الأمرين لازم : إمّا التكذيب ، وإمّا الحماقة ، وجمعك بين الحالتين عجيب ، يرزقك السنين العديدة من غير حقّ وجب لك ، وتسيء الظنّ به في يوم ؛ توجب الحقّ ، وتعتذر بالغفلة ، فما بال التمادي ؟ تعترف بالذنب فما الحجّة في الإصرار ؟
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
[ سورة الأعراف ، الآية : 35 ] يا مدّعي النسيان ، ما ذا فعلت بعد التذكير ؟ يا معتذرا بالغفلة ، أين ثمرة التنبيه ؟ يا من قطع بالرحيل ، أين الزاد ؟ يا ذبابة الحرص ، كم ذا تلجج في ورطة الشهد ؟ يا نائما ملء عينيه ، حذار الأجل قد أنذر ، يا ثمل الاغترار قرب خمار الندم ، تدّعي الحذق بالصنائع وتجهل هذا القدر ، تبذل النصح لغيرك وتغشّ نفسك هذا الغشّ ، اندمل جرح توبتك على عظم ، قام بناء عزمتك على رمل ، نبتت خضراء دعوتك على دمنة « 1 » ، عقدت كفّك من الحقّ على قبضة ماء
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ سورة فاطر ، الآية : 8 ] ، إذا غام جوّ هذا المجلس ، وابتدأ رشّ غمام الدموع ، قالت النفس الأمّارة : حوالينا لا علينا ، فدالت رياح
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم وخضراء الدمن » . وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء .