تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
بهم يومك ولا ليلك ، وأثبهم على حسن الجواب ، وسبّق لهم خوف الجزاء على رجاء الثواب ، وعلّمهم الصبر على الضرائر ، والمهلة عند استخفاف الجرائر ، وخذهم بحسن السرائر ، وحبّب إليهم مراس « 1 » الأمور الصعبة المراس ، وحسن الاصطناع والاحتراس ، والاستكثار من أولي المراتب والعلوم ، والسياسات والحلوم ، والمقام المعلوم ، وكرّه إليهم مجالسة الملهين ، ومصاحبة الساهين ، وجاهد أهواءهم عن عقولهم ، وحذّر الكذب على مقولهم ، ورشّحهم إذا آنست منهم رشدا أو هديا ، وأرضعهم من المؤازرة ، والمشاورة ثديا ، لتمرّنهم على الاعتياد ، وتحملهم على الازدياد ، ورضهم رياضة الجياد ، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم ، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم ، وتدارك الخلق الذميمة كلّما نجمت ، واقذعها « 2 » إذا هجمت ، قبل أن يظهر تضعيفها ، ويقوى ضعيفها ، فإن أعجزتك في الصغر الحيل ، عظم الميل : [ البسيط ]
إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت * ولن تلين إذا قوّمتها الخشب
وإذا قدروا على التدبير ، وتشوّفوا للمحلّ الكبير ، إياك أن توطّنهم في مكانك ، جهد إمكانك ، وفرقهم في بلدانك ، تفريق عبدانك ، واستعملهم في بعوث جهادك ، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك ، فإنّ حضرتك تشغلهم بالتحاسد ، والتباري والتفاسد ، وانظر إليهم بأعين الثقات ، فإنّ عين الثقة ، تبصر ما لا تبصر عين المحبّة والمقة « 3 » . وأما الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرق بها وتجمع ، وتبصر وتسمع ، فرضهم « 4 » بالصدق والأمانة ، وصنهم صون الجمانة « 5 » ، وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته ، والتقليل ممّا استكثرته ، واحذر منهم من قويت شهواته ، وضاقت عن هواه لهواته ، فإنّ الشهوات تنازعك في استرقاقه ، وتشاركك في استحقاقه ، وخيرهم من ستر ذلك عنه بلطف « 6 » الحيلة ، وأدأب للفساد محيلة ، وأشرب قلوبهم أنّ الحقّ في كلّ ما حاولته واستنزلته ، وأنّ الباطل في كلّ ما جانبته واعتزلته ، وأنّ من تصفّح منهم أمورك فقد أذنب ، وباين الأدب وتجنّب ، وأعط
هامش
( 1 ) مراس الأمور : أي مزاولتها ومعاناتها واختبارها . قال الشاعر وهو يزيد بن الطثرية :إذا أرسلوني عند تعذير حاجة * أمارس فيها كنت نعم الممارس. ( 2 ) في ب « واقدعها » . ( 3 ) المقة : المحبة . ( 4 ) رضهم بالضم : أمر من الرياضة ، والمراد عودهم ذلك . ( 5 ) صنهم : احفظهم ، والجمانة : الدرة . ( 6 ) في ب « منه بلطف » .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 136 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي