أعشّاق غير الواحد الأحد الباقي * جنونكم واللّه أعيا على الراقي
جننتم بما يفنى وتبقى مضاضة * تعذّب بين البين مهجة مشتاق
وتربط بالأجسام نفسا حياتها * مباينة الأجسام بالجوهر الراقي
فلا هي فازت بالذي علقت به * ولا رأس مال كان ينفعها باقي
فراق وقسر وانقطاع وظلمة * قني البعد من نيل السعادة يا واقي
كأني بها من بعد ما كشف الغطا * صريعة أحزان لديغة أشواق
تقلّب كفّيها بخيط موصّل * رشيقة قدّ دون سبعة أطباق
فلا تطعموها السمّ في الشهد ضلّة * فذلك سمّ لا يداوى بدرياق
بما اكتسبت تسعى إلى مستقرّها * فإما بوقر محسب أو بإملاق
وليس لها بعد التفرّق حيلة * سوى ندم يذري مدامع آماق
ولو كان مرمى الحزن منها إلى مدى * لهان الأسى ما بين وخد وإعناق « 1 »
فجدّوا فإنّ الأمر جدّ ، وشمّروا * بفضل ارتياض أو بإصلاح أخلاق
ولا تطلقوا في الحسّ ثني عنانها * وشيموا بها للحقّ لمحة إشراق « 2 »
ودسّوا لها المعنى رويدا وأيقظوا * بصيرتها من بعد نوم وإغراق
ومهما أفاقت فافتحوا لاعتبارها * مصاريع أبواب وأقفال أغلاق « 3 »
وعاقبة الفاني اشرحوا وتلطّفوا * بأخلاقها المرضى تلطّف إشفاق
فإن سكرت واستشرفت عند سكرها * لماهيّة المسقى ومعرفة الساقي
أطيلوا على روض الجمال خطورها * إلى أن يقوم الوجد فيها على ساق
وخلّوا لهيب الشوق يطوي بها الفلا * إلى الوجد في مسرى رموز وأذواق
فما هو إلّا أن تحطّ رحالها * بمثوى التجلّي والشهود بإطلاق
وتفنى إذا ما شاهدت عن شهودها * وقد فني الفاني وقد بقي الباقي
هنالك تلقى العيش تضفو ظلاله * وتنعم من عين الحياة برقراق
هامش
( 1 ) مرمى : مكان الرمي ، والمدى : الأمد ، والوخد والإعناق : ضربان من السير السريع .
( 2 ) شيموا : فعل أمر من شام مخايل الشيء ، أي تطلع نحوه ببصره منتظرا له . وشام البرق : إذا نظر إليه أين يتجه ويمطر .
( 3 ) الأغلاق : جمع غلق وهو باب الدار أو المتجر .