وبعد فراق ابني أبي القاسم الذي * كساني ثوب الثّكل لا كان ملبسا
أؤمّل في الدنيا حياة وأرتضي * مقيلا لدى أبنائها ومعرّسا « 1 »
فآها وللمفجوع فيها استراحة * ولا بدّ للمصدور أن يتنفّسا
على عمر أفنيت فيه بضاعتي * فأسلمني للقبر حيران مفلسا
ظللت به في غفلة وجهالة * إلى أن رمى سهم الفراق فقرطسا « 2 »
إلى اللّه أشكو برح حزني فإنه * تلبّس منه القلب ما قد تلبّسا
وهدّة خطب نازلتني عشية * فما أغنت الشكوى ولا نفع الأسا
فقد صدّعت شملي وأصمت مقاتلي * وقد هدّمت ركني الوثيق المؤسّسا
ثبتّ لها صبرا لشدّة وقعها * فما زلزلت صبري الجميل وقد رسا « 3 »
وأطمع أن يلقى برحمته الرضا * وأجزع أن يشقى بذنب فينكسا
أبا القاسم اسمع شكو والدك الذي * حسا من كؤوس البين أفظع ما حسا
وقفت فؤادي مذ رحلت على الأسى * فأشهد لا ينفكّ وقفا محبّسا
وقطّعت آمالي من الناس كلّهم * فلست أبالي أحسن المرء أم أسا « 4 »
تواريت يا شمسي وبدري وناظري * فصار وجودي مذ تواريت حندسا « 5 »
وخلّفت لي عبئا من الثّكل فادحا * فما أتعب الثّكلان نفسا وأتعسا
أحقّا ثوى ذاك الشباب فلا أرى * له بعد هذا اليوم حولي مجلسا
فيا غصنا نضرا ثوى عندما استوى * فأوحشني أضعاف ما كان آنسا « 6 »
ويا نعمة لمّا تبلّغتها انقضت * فأنعم أحوالي بها صار أبأسا
لودّعته والدمع تهمي سحابه * كما أسلم السلك الفريد المخمّسا
وقبّلت في ذاك الجبين مودعا * لأكرم من نفسي عليّ وأنفسا
هامش
( 1 ) المقيل : المكان ثقيل فيه وقت القيلولة ( نصف النهار عند اشتداد الحر ) المعرس : المكان تنزل فيه ليلا .
( 2 ) قرطس : أصاب الهدف .
( 3 ) رسا : ثبت واستقرّ .
( 4 ) أسا : أصلها أساء - بالهمزة .
( 5 ) الحندس : الظلمة الشديدة .
( 6 ) في ب « ما كان أنّسا » .