الجوهري : كف اللّه النار عن يد موسى لئلا تقول النار : طبعي ، واحترق لسانه لئلا يقول الكليم : مكاني ، وقال غيره : لو لم يقل لنار إبراهيم
سَلاماً
« 1 » لهلك من برد النار .
قيل للجنيد : أنطلب الرزق ؟ قال : إن علمتم أين هو فاطلبوه ، قيل : فنسأل اللّه ؟ قال : إن خشيتم أن ينساكم فذكروه ، قيل : فلنلزم البيوت ؟ قال : التجربة منك شكّ ، قيل : فما الحيلة ؟
قال : ترك الحيلة . يقول : ليكن تصرّفك بإذنه ، لا بشهوتك ، فقد قيل : ترك الطلب يضعف الهمّة ، ويذلّ النفس ، ويورث سوء الظنّ .
الطرطوشي : القدر والطلب كأعمى ومقعد في قرية ، يحمل الأعمى المقعد ، ويدلّ المقعد الأعمى .
قال رجل لبشر : إني أريد السفر إلى الشام ، وليس عندي زاد ، فقال : اخرج لما قصدت إليه ، فإنه إن لم يعطك ما ليس لك ، لم يمنعك ما لك .
الناس في هذا الباب ثلاثة : فرقة عاملت اللّه ، عزّ وجلّ ، على مقتضى شمول قدرته للشّرّ والخير ، وأعرضوا عن الأسباب ، فأدركوا التوكل ، وفاتهم الأدب ، وهم بعض الصوفية ، وقد قيل : اجعل أدبك دقيقا ، وعلمك ملحا ، وهذا إبليس لم تنفعه كثرة علمه لمّا دفعته قلّة أدبه .
وفرقة عاملته على ذلك مع الجريان على عوائد مملكته ، والتصرّف بإذنه على مقتضى حكمته ، وهم الأنبياء وخواصّ العلماء ، فأصابوا الأدب ، وما أخطئوا التوكل . والفرقة الثالثة - وهم الجمهور - أقبلوا على الأسباب ، ونسوا المسبب ، ففاتهم الأمران ، فهلكوا .
ومنه : جل الواحد المعروف ، قبل الحدود والحروف : [ البسيط ]
لقد ظهرت فما تخفى على أحد * إلّا على أكمه لا يعرف القمرا « 2 »
كما بطنت بما أبديت من حجب * وكيف يبصر من بالعزّة استترا « 3 »
سئل النصيبي عن الرؤية بمجلس عضد الدولة ، فأنكرها محتجّا بأنّ كلّ شيء يرى بالعين فهو في مقابلتها ، فقال له القاضي ابن الطيب : لا يرى بالعين ، قال له الملك : فبما ذا يرى ؟
قال : بالإدراك الذي يحدثه اللّه في العين وهو البصر ، ولو أدرك المرئي بالعين لوجب أن يدرك بكلّ عين قائمة ، وهذا الأجهر عينه قائمة ولا يرى بها شيئا .
هامش
( 1 ) أراد الآية 69 من سورة الأنبياء وهيقُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ.
( 2 ) الأكمه : الأعمى .
( 3 ) بطنت : اختفت .