فلم أله باللّاهوت عن حكم مظهري * ولم أنس بالناسوت موضع حكمتي
فقال : يقول ما أنا بالحلّاج ولا ببلعام ، ثم قال مولاي الجدّ بعد هذا الكلام ما صورته :
قلت : وهذا هو الإنسان على الكمال والتمام ، ولقد سمعته يقول في الحلّاج : نصف إنسان ، يشير إلى البيت .
وقال أيضا رحمه اللّه تعالى : سمع ابن شاطر إنسانا يقول : الجنّة رخيصة ، فقال : كيف تكون رخيصة واللّه عزّ وجلّ يقول
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التوبة : 111 ] انتهى . ثم قال مولاي الجدّ بأثر هذا الكلام : قلت : ما الأنفس والأموال في جنب ما فيها ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؟ لا سيما وفوق هذه الحسنى زيادة الإكرام بالنظر والرضاء .
وقال أيضا : قيل لابن شاطر : صف لنا الدنيا ، فقال :
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
[ النور : 39 ] الآيتين ، فبلغ ذلك أبا زيد ابن الإمام ، فأنكر عائبا لاستحسان سامعه ، تاليا
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
[ المائدة : 13 ] ولقد أصيب المتعسّف بأدهى منها وأمرّ ، فإنه أفحم يوما ببعض أهل النظر فتلا عليه
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ
[ البقرة : 258 ] على أن له أن يقول : لم أخرج الآية عن مرادها ، فالبهت من انقطاع المعاند ، والكفر من جحد الجاحد ، ولنا أن نقول : التحريف المذموم هو التحويل للإبطال ، وليس هذا من قصد الممثل الأول بالمثال ؛ انتهى .
وهذا كله على مذهب جمهور المالكية في منع الاقتباس ، وللكلام على ذلك موضع غير هذا ، فليراجع في كتب البيان وغيرها .
وقال رحمه اللّه تعالى : حدّثت أنّ المتوكل على اللّه أبا عنان ، رحمه اللّه تعالى ، أعطى ابن شاطر ألف دينار ليحجّ بها ، فمرّ بها إلى تلمسان ، فصار يدفع منها شيئا فشيئا للمتفرجين بغدير الوريط شرقي عباد تلمسان العلوي ، إلى أن نفدت ، فلمّا ورد السلطان أبو عنان تلمسان لقيه بسوق العطارين من منشر الجلد ، فقال له : يا سيدي أبا عبد اللّه ، حجّ مبرور ، فقال له :
إذا جهلت أصل المال فانظر مصارفه ، ويأبى اللّه إلّا أن ينفق الخبيث في مثله ، فضحك السلطان وانصرف ؛ انتهى .
وكان لابن شاطر هذا عجائب ، ولم يكن مخلّا بشيء من الحقوق الشرعية ، وكان معتقدا عند أهل وقته ، وكان السلطان أبو عنان على فقهه يعظّمه ويصله ، ويسلّم له ، وبات