قول ابن الحاجب في الاستلحاق « وإذا استلحق مجهول النسب » إلى قوله « أو الشرع بشهرة نسبه » كيف يصحّ هذا القسم مع فرضه مجهول النسب ؟ فقال : يمكن أن يكون مجهول النسب في حال الاستلحاق ، ثم يشتهر بعد ذلك ، فيبطل الاستلحاق ، فكأنه يقول : ألحقه ابتداء ودواما ، ما لم يكذبه أحد ، هذه هي إحدى الحالتين ، إلّا أنّ هذا إنما يتصوّر في الدوام فقط .
وممّا سألته عنه أنّ الموثقين يكتبون الصحة والجواز والطوع على ما يوهم القطع ، وكثيرا ما ينكشف الأمر بخلافه ، ولو كتبوا مثلا ظاهر الصحة والجواز والطوع لبرئوا من ذلك ، فقال لي :
لما كان مبنى الشهادة وأصلها العلم لم يجمل ذكر الظنّ ولا ما في معناه احتمال ، فإذا أمكن العلم بمضمونها لم يجز أن يحمل على غيره ، فإذا تعذّر كما هنا « 1 » بني باطن أمرها على غاية ما يسعه فيه الإمكان عادة ، وأجري ظاهره على ما ينافي أصلها ، صيانة لرونقها ، ورعاية لما كان ينبغي أن تكون عليه لولا الضرورة . قلت : ولذلك عقد ابن فتوح وغيره عقود الجوائح على ما يوهم العلم بالتقدير ، مع أنّ ذلك إنما يدرك بما غايته الظنّ في الحزر « 2 » والتخمين ، وكانا معا يذهبان إلى الاختيار وترك التقليد .
[ ترجمة أبي موسى عمران بن موسى بن يوسف المشدالي ( من شيوخ المقري الكبير ) ]
وممّن أخذت عنه أيضا حافظها ومدرّسها ومفتيها أبو موسى عمران بن موسى بن يوسف المشدّالي « 3 » ؛ صهر شيخ المدرسين أبي علي ناصر الدين على ابنته ، وكان قد فرّ من حصار بجاية ، فنزل الجزائر ، فبعث فيه أبو تاشفين ، وأنزله من التقريب والإحسان بالمحلّ المكين ، فدرّس بتلمسان الحديث والفقه والأصلين والنحو والمنطق والجدل والفرائض ، وكان كثير الاتّساع في الفقه والجدل ، مديد الباع فيما سواها ممّا ذكر ، سألته عن قول ابن الحاجب في السهو « فإن أخال الإعراض فمبطل عمده » فقال : معناه فإن أخال غيره أنه معرض ، فحذف المفعول لجوازه ، وأقام المصدر مقام المفعولين كما يقوم مقامه ما في معناه من أنّ وأن ، قال اللّه العظيم
ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا
[ العنكبوت : 1 ، 2 ] قلت : وأقوى من هذا أن يكون المصدر هو المفعول الثاني ، وحذف الثالث اختصارا لدلالة المعنى عليه : أي فإن أخال الإعراض كائنا ، كما قالوا : خلت ذلك ، وقد أعربت الآية بالوجهين ، وهذا عندي أقرب ، ومن هذا الباب ما يكتب به القضاة من قولهم « أعلم باستقلاله فلان » أي أعلم فلان من يقف عليه بأن الرسم مستقلّ ، فحذفوا الأول ، وصاغوا ما بعده المصدر .
سئل عمران وأنا عنده عمّا صبغ من الثياب بالدم فكانت حمرته منه ، فقال : يغسل ، فإن
هامش
( 1 ) في ب « كما ههنا » .
( 2 ) الحزر - بفتح الحاء وسكون الزاي - مصدر « حزره يحزره » إذا قدّره بالظن .
( 3 ) انظر ترجمته في نيل الابتهاج ص 208 .