فخذه مع بداد سرجه « 1 » ، وكان وقت الزوال ، وهبت ريح النصر ، فأنزل اللّه سكينته على المسلمين ، ونصر دينه القويم ، وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه ، فأخرجوهم عن محلتهم ، فولوا ظهورهم ، وأعطوا أعناقهم ، والسيوف تصفعهم ، والرماح تطعنهم ، إلى أن لحقوا ربوة لجؤوا إليها واعتصموا بها ، وأحدقت بهم الخيل ، فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة ، وأفتلوا بعد ما تشبثت « 2 » بهم أظفار المنية ، واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الآلات والسلاح والمضارب والأواني وغير ذلك ، وأمر ابن عباد بضم رؤوس قتلى المشركين ، فاجتمع من ذلك تل عظيم ، انتهى ، وبعضه بالمعنى .
رجع إلى كلام صاحب « الروض المعطار » قال « 3 » : ولجأ الأذفونش إلى تل كان يلي محلته في نحو خمسمائة فارس كل واحد منهم مكلوم ، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم ، وعمل المسلمون من رؤوسهم مآذن يؤذنون عليها « 4 » ، والمخذول ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا يرى إلا نكالا محيطا به وبأصحابه ، وأقبل ابن عباد على السلطان يوسف وصافحه ، وهنأه ، وشكره ، وأثنى عليه ، وشكر يوسف صبر ابن عباد ، ومقامه ، وحسن بلائه ، وجميل صبره ، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه ، فقال له : هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك .
[ كتاب من ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية ]
وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية كتابا مضمونه : كتابي هذا من المحلة المنصورية يوم الجمعة الموفي عشرين من رجب ، وقد أعز اللّه الدين ، ونصر المسلمين ، وفتح لهم الفتح المبين ، وهزم الكفرة المشركين « 5 » ، وأذاقهم العذاب الأليم ، والخطب الجسيم ، فالحمد للّه على ما يسره وسنّاه من هذه المسرة العظيمة ، والنعمة الجسيمة ، في تشتيت شمل الأذفونش ، والاحتواء على جميع عساكره ، أصلاه اللّه نكال الجحيم ! ولا أعدمه الوبال العظيم المليم ! بعد إتيان النّهب على محلاته ، واستئصال القتل في جميع أبطاله وحماته ، حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها ، فللّه الحمد على جميل صنعه « 6 » ، ولم يصبني والحمد للّه إلا جراحات يسيرة ألمت لكنها فرجت بعد ذلك ، فللّه الحمد والمنة ، والسلام .
واستشهد في ذلك اليوم جماعة من الفضلاء والعلماء وأعيان الناس ، مثل ابن رميلة صاحب الرؤيا المذكورة ، وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي ، وغير هما ، رحمهم اللّه تعالى ! .
هامش
( 1 ) في ه « ونفذ فخدّه مع بداد سرجه » .
( 2 ) وفي وفيات الأعيان « نشبت فيهم » .
( 3 ) الروض المعطار ص 93 .
( 4 ) في الروض « صوامع يؤذنون عليها » .
( 5 ) في ب ، ه « وهزم الكفرة والمشركين » .
( 6 ) في أ ، ج « جميع صنعه » .