[ المعتمد يحمل في السفين من الأندلس إلى العدوة ، وشعر له في ذلك وفي هذا يقول ابن اللبانة ]
وقال الفتح أيضا « 1 » : ولما نقل المعتمد من بلاده ، وأعرى من طارفه وتلاده ، وحمل في السفين ، وأحلّ في العدوة محلّ الدفين ، تندبه منابره وأعواده ، ولا يدنو منه زوّاره ولا عوّاده ، بقي أسفا تتصعد زفراته ، وتطرد اطراد المذانب « 2 » عبراته ، لا يخلو بمؤانس ، ولا يرى إلا عرينا بدلا من تلك المكانس « 3 » ، ولما لم يجد سلوا ، ولم يؤمّل دنوا ، ولم ير وجه مسرة مجلوّا ، تذكر منازله فشاقته ، وتصور بهجتها فراقته ، وتخيل استيحاش أوطانه ، وإجهاش قصره إلى قطّانه ، وإظلام جوه من أقماره ، وخلوه من حرّاسه وسمّاره ، فقال : [ البسيط ]
بكى المبارك في إثر ابن عباّد * بكى على إثر غزلان وآساد
بكت ثرياه لاغمّت كواكبها * بمثل نوء الثريّا الرّائح الغادي
بكى الوحيد ، بكى الزاهي وقبته * والنهر والتاج ، كل ذله بادي
ماء السماء على أفيائه درر * يا لجّة البحر دومي ذات إزباد « 4 »
وفي ذلك يقول ابن اللبانة : [ البسيط ]
أستودع اللّه أرضا عندما وضحت * بشائر الصّبح فيها بدّلت حلكا « 5 »
كان المؤيّد بستانا بساحتها * يجني النعيم وفي عليائها فلكا
في أمره لملوك الدّهر معتبر * فليس يغترّ ذو ملك بما ملكا
نبكيه من جبل خرّت قواعده * فكلّ من كان في بطحائه هلكا
[ القصر الزاهي من قصور المعتمد ، وشعر له يشتاقه فيه وهو أسير بسجن أغمات ]
وكان القصر « 6 » الزاهي من أجمل المواضع لديه وأبهاها ، وأحبها إليه وأشهاها ، لإطلاله على النهر ، وإشرافه على القصر ، وجماله في العيون ، واشتماله بالزهر والزيتون « 7 » ، وكان له به من الطرب ، والعيش المزري بحلاوة الضّرب « 8 » ، ما لم يكن بحلب لبني حمدان ، ولا لسيف بن ذي يزن في رأس غمدان ، وكان كثيرا ما يدير به راحه ، ويجعل فيه انشراحه ، فلما
هامش
( 1 ) القلائد ص 3 .
( 2 ) المذانب : الدلاء .
( 3 ) العرين : مأوى السباع . والمكانس : مأوى الظباء .
( 4 ) في ه « ماء السماء على أبنائه درر » .
( 5 ) الحلك : الظلمة .
( 6 ) في ه « الحصن الزاهي » وفي القلائد « الحصن الزاهر » .
( 7 ) في القلائد « بالشجر والزيتون » .
( 8 ) الضّرب - بالتحريك : العسل الأبيض الغليظ .