والقسم الثاني : هو السباب الذي أحدثه جرير أيضا وطبقته ، وكان يقول : إذا هجوتم فأضحكوا ، وهذا النوع منه لم يهدم قط بيتا ، ولا عيرت به قبيلة ؛ وهو الذي صنّا هذا المجموع عنه ، وأعفيناه أن يكون فيه شيء منه ، فإن أبا منصور الثعالبيّ كتب منه في يتيمته ما شانه اسمه « 1 » ، وبقي عليه إثمه .
ومن مليح التعريض لأهل أفقنا قول بعضهم في غلام كان يصحب رجلا يسمى بالبعوضة : [ بحر المتقارب ]
أقول لشادنكم قولة * ولكنّها رمزة غامضه « 2 »
لزوم البعوض له دائما * يدل على أنها حامضه
وأنشدت في مثله قول بعض أهل الوقت : [ بحر البسيط ]
بيني وبينك سرّ لا أبوح به * الكل يعلمه واللّه غافره « 3 »
وحكي أبو عامر بن شهيد عن نفسه قال : عاتبت بعض الإخوان عتابا شديدا عن أمر أوجع فيه قلبي ، وكان آخر الشعر الذي خاطبته به هذا البيت : [ بحر الطويل ]
وإني على ما هاج صدري وغاظني * ليأمنني من كان عندي له سرّ
فكان هذا البيت أشد عليه من عض الحديد ، ولم يزل يقلق به حتى بكى إلي منه بالدموع ، وهذا الباب ممتدّ الأطناب ، ويكفي ما مر ويمرّ منه في أضعاف هذا الكتاب ، انتهى كلام ابن بسام في الذخيرة بلفظه .
ولا خفاء أنه عارض بالذخيرة يتيمة الثعالبي ، ولذا قال في خطبة الذخيرة : أما بعد حمد اللّه ولي الحمد وأهله ، والصلاة على سيدنا محمد خاتم رسله ، فإن ثمرة هذا الأدب ، العالي الرتب ، رسالة تنثر وترسل ، وأبيات تنظم وتفصل ، تنثال تلك انثيال القطار « 4 » ، على صفحات الأزهار ، وتتصل هذه اتصال القلائد ، على نحور الخرائد « 5 » ، وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القصيّ إلى وقتنا هذا من فرسان الفنّين ، وأئمة النوعين ، قوم هم ما هم طيب مكاسر ، وصفاء
هامش
( 1 ) شانه : عابه .
( 2 ) الشادن : ابن الغزال .
( 3 ) في ب : « بيني وبينك سرّ لا أبوح به » ( وهو الأصح وزنا ) .
( 4 ) تنثال : تتابع . والقطار : جمع قطرة ، وأراد المطر .
( 5 ) الخرائد : جمع خريدة ، وهي في الأصل اللؤلؤة التي لم تثقب وهنا البكر .