تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
والنهار ، وأجرى فضل هذا الماء العذب إلى سقايات اتخذهن على أبواب هذا المسجد بجهاته الثلاث الشرقية والغربية والشمالية ، أجراها هنالك إلى ثلاث جواب من حياض الرخام استقطعها بمقطع المنستير بسفح جبل قرطبة بالمال الكثير ، وألقاه الرخّامون « 1 » هنالك ، واحتفروا أجوافها بمناقيرهم في المدة الطويلة حتى استوت في صورها البديعة لأعين الناس ، فخفف ذلك من ثقلها ، وأمكن من إهباطها إلى أماكن نصبها بأكناف المسجد الجامع ، وأمد اللّه تعالى على ذلك بمعونته ، فتهيأ حمل الواحدة منها فوق عجلة كبيرة اتخذت من ضخام خشب البلوط على فلك موثقة بالحديد المثقف محفوفة بوثاق الحبال قرن لجرّها سبعون دابة من أشد الدواب ، وسهلت قدامها الطرق والمسالك ، وسهل اللّه تعالى حملها واحدة بعد أخرى على هذه الصفة في مدة اثني عشر يوما ، فنصبت في الأقباء المعقودة لها ، قال : وابتنى المستنصر في غربي الجامع دار الصدقة ، واتخذها معهدا لتفريق صدقاته المتوالية ، وابتنى للفقراء البيوت قبالة باب المسجد الكبير الغربي ، انتهى . واعلم أنه لعظم أمر قرطبة كان عملها حجة بالمغرب ، حتى إنهم يقولون في الأحكام : هذا مما جرى به عمل قرطبة ، وفي هذه المسألة نزاع كثير ، ولا بأس أن نذكر ما لا بد منه من ذلك ، قال الإمام ابن عرفة رحمه اللّه تعالى : في اشتراط الإمام على القاضي الحكم بمذهب معين - وإن خالف معتقد المشترط اجتهادا وتقليدا - ثلاثة أقوال : الصحة للباجي ، ولعمل أهل قرطبة ، ولظاهر شرط سحنون على مذهب من ولاه الحكم بمذهب أهل المدينة ، قال المازري : مع احتمال كون الرجل مجتهدا . الثاني : البطلان ، للطرطوشي ، إذ قال : في شرط أهل قرطبة هذا جهل عظيم . الثالث : تصح التولية ويبطل الشرط ، تخريجا على أحد الأقوال في الشرط الفاسد في البيع للمازري عن بعض الناس ، انتهى مختصرا . قال ابن غازي : إن ابن عرفة نسب للطرطوشي البطلان مطلقا ، وابن شاس إنما نسب له التفصيل ، انتهى . ولما ذكر مولاي الجد الإمام قاضي القضاة بفاس « 2 » سيدي أبو عبد اللّه المقري التلمساني في كتابه القواعد شرط أهل قرطبة المذكور ، قال بعده ما نصه : وعلى هذا الشرط ترتب إيجاب عمل القضاة بالأندلس ، ثم انتقل إلى المغرب ، فبينما نحن ننازع الناس في عمل المدينة ونصيح
هامش
( 1 ) في ج : الرخاميون . ( 2 ) هو الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد المقري التلمساني وهو جد المؤلف لهذا الكتاب ( انظر تاريخ قضاة الأندلس ص 169 ) .