تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار النيل ، ولئن قلت إني لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل فإني أقول حقا ، والنيل هنالك ضيق ، لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته « 1 » قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط ، وبحسن سورها المبيض الشامخ حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل ، وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدا من الفسطاط إلى الجزيرة ، وهو غير طويل ، ومن الجانب الآخر إلى البر الغربي المعروف ببر الجيزة « 2 » جسر آخر من الجزيرة إليه ، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب ، لأن هذين الجسرين قد احترما لحصولهما في حيز قلعة السلطان ، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكبا احتراما لموضع السلطان ، وبتنا في ليلة ذلك اليوم بطيارة مرتفعة على جانب النيل ، فقلت : [ بحر الطويل ]
نزلنا من الفسطاط أحسن منزل * بحيث امتداد النيل قد دار كالعقد
وقد جمعت فيه المراكب سحرة « 3 » * كسرب قطا أضحى يرفّ على ورد « 4 »
وأصبح يطفو الموج فيه ويرتمي * ويطرب أحيانا ويلعب بالنرد
حلا ماؤه كالرّيق ممن أحبّه * فمدت عليه حلة من حلى الخد
وقد كان مثل النهر من قبل مده * فأصبح لما زاده المد كالورد
وقلت هذه لأني لم أذق في المياه أحلى من مائه ، وإنه يكون قبل المد الذي يزيد به ويفيض على أقطاره أبيض ، فإذا كان عباب النيل صار أحمر ، وأنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط . « 5 » [ بحر الرمل ]
حبّذا الفسطاط من والدة * جنّبت أولادها درّ الجفا « 6 »
يرد النيل إليها كدرا * فإذا مازج أهليها صفا
لطفوا فالمزن لا تألفهم * خجلا لما رأتهم ألطفا
ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط ، حتى إنهم ألطف من أهل القاهرة ، وبينهما نحو ميلين ، والحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة واللين في الكلام ، وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة ورعاية « 7 » قدر الصحبة وكثرة الممازحة « 8 » والألفة ما يطول ذكره .
هامش
( 1 ) في ج : قلعة . ( 2 ) في ه : « ببر الجزيرة » . ( 3 ) سحرة : آخر الليل قبيل الفجر . ( 4 ) الورد : الماء الذي يورد للشرب . ( 5 ) هو علم الدين أيدمر المحيوي التركي . له ديوان شعر ( انظر فوات الوفيات ج 1 ص 140 ) . ( 6 ) في ب ، ه : « جنبت أولادها دار الجفا » . ( 7 ) في ب ، ه : « برعاية قدر الصحبة » . ( 8 ) في ب : « الممازجة » .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 456 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي