تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
فقالوا : بل منهم ، فقال : « بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير أعوانا « 1 » ، وهم لا يجدون عليه أعوانا » وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمّة أضعاف أجر الصحابة مع أنهم قد أسّسوا الإسلام ، وعضدوا الدين وأقاموا المنار ، وافتتحوا الأمصار ، وحموا البيضة ، ومهّدوا الملة ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح : « لو أنفق أحدكم كلّ يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » فتراجعنا القول ، وتحصل ما أوضحناه في شرح الصحيح ، وخلاصته : أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها أحد ، ولا يدانيهم فيها بشر ، وأعمال سواها من فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم ، وخلّصها من شوائب البدع والرياء بعدهم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الدين والإسلام ، وهو أيضا انتهاؤه ، وقد كان قليلا في ابتداء الإسلام ، صعب المرام ، لغلبة الكفار على الحق ، وفي آخر الزمان أيضا يعود كذلك ، لوعد الصادق صلى اللّه عليه وسلم بفساد الزمان ، وظهور الفتن ، وغلبة الباطل ، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق ، وركوب من يأتي سنن « 2 » من مضى من أهل الكتاب ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لتركبنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتّى لو دخلوا جحر ضبّ خرب لدخلتموه » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ » « 3 » . فلا بد واللّه تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق أن يرجع الإسلام إلى واحد ، كما بدأ من واحد ، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى إذا قام به قائم مع احتواشه « 4 » بالمخاوف وباع نفسه من اللّه تعالى في الدعاء إليه كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكنا منه معانا عليه بكثرة الدّعاء إلى اللّه تعالى ، وذلك قوله : « لأنّكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون عليه أعوانا » حتى ينقطع ذلك انقطاعا باتّا لضعف اليقين وقلة الدين ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقوم السّاعة حتّى لا يقال في الأرض اللّه اللّه » « 5 » يروى برفع الهاء ونصبها ، فالرفع على معنى لا يبقى موحد يذكر اللّه عز وجل ، والنصب على معنى لا يبقى آمر بمعروف ولا ناه عن المنكر « 6 » يقول : أخاف اللّه ، حينئذ يتمنى العاقل الموت ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيقول : يا ليتني كنت مكانه » « 7 » انتهى وأنشد رحمه اللّه تعالى لبعض الصوفية : [ السريع ]
امتحن اللّه بذا خلقه * فالنّار والجنّة في قبضته
فهجره أعظم من ناره * ووصله أطيب من جنّته
هامش
( 1 ) انظر مجمع الزوائد ج 7 ص 282 . ( 2 ) سنن الطريق : نهجه وجهته . ( 3 ) انظر مجمع الزوائد ج 7 ص 277 - 279 . ( 4 ) احتواشه بالمخاوف : إحاطته بالمخاوف . ( 5 ) انظر مجمع الزوائد ج 8 ص 12 . ( 6 ) في ب : عن منكر . ( 7 ) صحيح مسلم ج 2 ص 378 ، ومجمع الزوائد ج 7 ص 282 .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 209 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي