تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
لا تنظرنّ إلى جسمي وقلّته * وانظر لصدري وما يحوي من السّنن
فربّ ذي منظر من غير معرفة * وربّ من تزدريه العين ذو فطن
وربّ لؤلؤة في عين مزبلة * لم يلق بال لها إلّا إلى زمن
انتهى ما في المطمح الصغير . قلت : أمّا ما ذكره من عدم معرفته بالحديث فهو غير مسلم ، وقد نقل عنه غير واحد من جهابذة المحدّثين « 1 » ، نعم لأهل الأندلس غرائب لم يعرفها كثير من المحدثين ، حتى إن في شفاء عياض أحاديث لم يعرف أهل المشرق النقّاد مخرجها ، مع اعترافهم بجلالة حفاظ الأندلس الذين نقلوها كبقيّ بن مخلد وابن حبيب وغيرهما على ما هو معلوم . وأما ما ذكره عنه بالإجازة « 2 » بما في الغرارة فذلك على مذهب من يرى الإجازة ، وهو مذهب مستفيض ، واعتراض من اعترض عليه إنما هو بناء على القول بمنع الإجازة ، فاعلم ذلك ، واللّه سبحانه الموفق .

2 - ومن الراحلين من الأندلس الفقيه المحدّث يحيى بن يحيى الليثي

راوي الموطّأ عن مالك رضي اللّه تعالى عنه ، ويقال : إن أصله من برابر مصمودة « 3 » ، وحكي أنه لما ارتحل إلى مالك لازمه ، فبينما هو عنده في مجلسه مع جماعة من أصحابه إذ قال قائل : قد « 4 » حضر الفيل ، فخرج أصحاب مالك كلهم ، ولم يخرج يحيى ، فقال له مالك : مالك لم تخرج وليس الفيل في بلادك ؟ فقال : إنما جئت من الأندلس لأنظر إليك ، وأتعلم من هديك وعلمك ، ولم أكن لأنظر إلى الفيل ، فأعجب به مالك ، وقال : هذا عاقل الأندلس ، ولذلك قيل : إن يحيى هذا عاقل الأندلس ، وعيسى بن دينار فقيهها ، وعبد الملك بن حبيب عالمها « 5 » ، ويقال : إن يحيى راويها ومحدثها ، وتوفي يحيى بن يحيى سنة 234 في رجب « 6 » ، وقبره يستسقى به بقرطبة ، وقيل : إن وفاته في السنة التي قبلها ، واللّه تعالى أعلم . وروايته الموطأ مشهورة ، حتى إن أهل المشرق الآن يسندون الموطأ من روايته كثيرا ، مع تعدّد رواة الموطأ ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) الجهابذة : جمع جهبذ ؛ وهو الخبير بالأمور ، المميز بين جيدها ورديئها . ( 2 ) في ب : في الإجازة . ( 3 ) مصمودة : قبيلة من قبائل البربر كثيرة العدد ، قوية . ( 4 ) قد : غير موجودة في ب . ( 5 ) هذا القول لمحمد بن عمر بن لبابة ، وقد ورد في ترجمة عبد الملك بن حبيب السلمي . ( 6 ) في ب : برجب .