سأشكر بحرا ذا عباب قطعته * إلى بحر جود ما لأخراه ساحل
إلى معدن التّقوى إلى كعبة النّدى * إلى من سمت بالذكر منه الأوائل
إليك أمير المؤمنين ولم تزل * إلى بابك المأمول تزجى الرّواحل
قطعت إليك البرّ والبحر موقنا * بأنّ نداك الغمر بالنّجح كافل
وحزت بقصديك العلا فبلغتها * وأدنى عطاياك العلا والفواضل
فلا زلت للعلياء والجود بانيا * تبلّغك الآمال ما أنت آمل
وعدّتها أربعون بيتا ، فأعطاه بكل بيت ألفا ، وقال له : إنّما أعطيناك لفضلك ولبيتك .
[ بين صلاح الدين الأيوبي ويعقوب الموحدي وابنه الناصر ]
وكان عنوان الكتاب الذي أرسله صلاح الدين « إلى أمير المسلمين » وفي أوّله « الفقير إلى اللّه تعالى يوسف بن أيوب » وبعده من إنشاء الفاضل « الحمد للّه الذي استعمل على الملّة الحنيفية من استعمر الأرض ، وأغنى من أهلها من سأله القرض ، وأجزى من أجرى على يده النافلة والفرض ، وزيّن سماء الملّة بدراري الذراري التي بعضها من بعض » وهو كتاب طويل سأله فيه أن يقطع عنه مادة البحر ، واستنجده على الإفرنج إذ كانت له اليد عليهم ، وعاد ابن منقذ من هذه الرسالة سنة 588 بغير فائدة ، وبعث معه هديّة حقيرة ، وأمّا ابن منقذ فإنه أحسن إليه وأغناه ، لا لأجل صلاح الدين ، بل لبيته وفضله كما مرّ ، وما وقع من يعقوب في صلاح الدين إنّما هو لأجل أنّه لم يوفّه حقّه في الخطاب .
رجع - ولمّا استفحل أمر الموحّدين بالأندلس استعملوا القرابة على الأندلس وكانوا يسمّونهم السادة ، واقتسموا ولايتها بينهم . ولهم مواقف في جهاد العدوّ مذكورة ، وكان صاحب الأمر بمراكش يأتي الأندلس للجهاد ، وهزم يعقوب المنصور كما سبق قريبا بالأرك ابن أدفونش ملك الجلالقة الهزيمة الشنعاء .
وأجاز ابنه الناصر الوالي بعده البحر إلى الأندلس من المغرب سنة تسع وستمائة ومعه من الجنود ما لا يحصى ، حتى حكى بعض الثقات من مؤرّخي المغرب أنه اجتمع معه من أهل الأندلس والمغرب ستمائة ألف مقاتل ، فمحص اللّه المسلمين « 1 » بالموضع المعروف بالعقاب « 2 » ، واستشهد منهم عدّة . وكانت سبب ضعف المغرب والأندلس ، أما المغرب فبخلاء
هامش
( 1 ) محص اللّه المسلمين : اختبرهم وابتلاهم .
( 2 ) العقاب - بكسر العين - موضع بالأندلس بين جيان وقلعة رباح كانت في هذا الموضع موقعة عظيمة هزم فيها المسلمون سنة 609 ه . ( انظر صفة جزيرة الأندلس صفحة 137 ) .