تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
فلا تكن مغرما برزق غد * فلست تدري بما يجيء غد
وخذ من الدهر ما أتاك به * ويسلم الروح منك والجسد
والخير والشّرّ لا تذعه فما * في الناس إلّا التشنيع والحسد
وله وقد آذاه شخص فخاطبه بالكنية ، فقيل له : أيؤذيك وأنت تخاطبه بالكنية ؟ فقال : [ الكامل ]
لا تعجبوا من أنّني كنّيته * من بعد ما قد سبّنا وأذانا
فاللّه قد كنّى أبا لهب وما * كنّاه إلّا خزية وهوانا « 1 »

[ ترجمة منذر بن سعيد ( في المطمح ) ]

وقال في المطمح : منذر بن سعيد البلوطي ، آية حركة وسكون ، وبركة لم تكن معدّة ولا تكون ، وآية سفاهة في تحلّم ، وجهامة وورع في طي تبسّم ، إذا جدّ وجد ، وإذا هزل نزل ، وفي كلتا الحالتين لم ينزل للورع من مرقب « 2 » ، ولا اكتسب إثما ولا احتقب « 3 » ، ولي قضاء الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن ، وناهيك من عدل أظهر ، ومن فضل أشهر ، ومن جور قبض ، ومن حقّ رفع ومن باطل خفض ، وكان مهيبا صليبا صارما غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق اللّه في استخراج حقّ ورفع ظلم ، واستمرّ في القضاء إلى أن مات الناصر لدين اللّه ثم ولي ابنه الحكم فأقرّه ، وفي خلافته استعفى مرارا فما أعفي ، وتوفي بعد ذلك لم يحفظ عنه مدّة ولايته قضية جور ، ولا عدّت عليه في حكومته زلّة ، وكان غزير العلم ، كثير الأدب ، متكلّما بالحق ، متبيّنا بالصدق ، له كتب مؤلفة في السّنّة والقرآن والورع ، والردّ على أهل الأهواء والبدع ، وكان خطيبا بليغا وشاعرا محسنا ، ولد عند ولاية المنذر بن محمد ، وتوفي سنة 355 ، ومن شعره في الزهد قوله : [ الخفيف ]
كم تصابى وقد علاك المشيب * وتعامى عمدا وأنت اللبيب « 4 » ؟
كيف تلهو وقد أتاك نذير * أن سيأتي الحمام منك قريب
يا سفيها قد حان منه رحيل * بعد ذاك الرحيل يوم عصيب
هامش
( 1 ) اعتمد على القرآن الكريم بقوله :تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍفاستعمل الكنية استهانة به واستصغارا له ، ولم يستعمل اسمه وهو عبد العزى . ( 2 ) المرقب : المكان المرتفع . ( 3 ) احتقب الإثم : ارتكبه . ( 4 ) تصابى : أصلها تتصابى حذفت إحدى التاءين ، والتصابي : الميل إلى اللهو والصبوة ، وتعامى : أصلها تتعامى أي تتغافل ، وتتصنع العمى . واللبيب العاقل .