تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
بعثها مع الغلام ، وقال : يا بني ، كن مع جملة ما بعثت به ، ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي ، وكتب معه هذين البيتين : [ الطويل ]
أمولاي هذا البدر سار لأفقكم * وللأفق أولى بالبدور من الأرض
أرضيكم بالنّفس وهي نفيسة * ولم أر قبلي من بمهجته يرضي
فحسن ذلك عند الناصر ، وأتحفه بمال جزيل ، وتمكّنت عنده مكانته ، ثم إنه بعد ذلك أهديت إليه جارية من أجمل نساء الدنيا ، فخاف أن ينتهي ذلك إلى الناصر فيطلبها فتكون كقصة الغلام ، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى ، وبعثها معها ، وكتب له : [ الطويل ]
أمولاي ، هذي الشمس والبدر أوّلا * تقدّم كيما يلتقي القمران
قران لعمري بالسعادة قد أتى * فدم منهما في كوثر وجنان
فما لهما واللّه في الحسن ثالث * وما لك في ملك البريّة ثاني
فتضاعفت مكانته عنده . ثم إن أحد الوشاة رفع للملك أنه بقي في نفسه من الغلام حرارة ، وأنه لا يزال يذكره حين تحرّكه الشّمول « 1 » ، ويقرع السّنّ « 2 » على تعذّر الوصول ، فقال للواشي : لا تحرّك به لسانك ، وإلّا طار رأسك ، وأعمل الناصر حيلة في أن كتب على لسان الغلام رقعة منها : « يا مولاي ، تعلم أنك كنت لي على انفرادي « 3 » ، ولم أزل معك في نعيم ، وإنّي وإن كنت عند الخليفة مشارك في المنزلة ، محاذر ما يبدو من سطوة الملك ، فتحيّل في استدعائي منه » ، وبعثها مع غلام صغير السنّ ، وأوصاه أن يقول : من عند فلان ، وإنّ الملك لم يكلّمه قطّ ، إن سأله عن ذلك ، فلمّا وقف أبو عامر على تلك الرسالة واستخبر الخادم علم من سؤاله ما كان في نفسه من الغلام ، وما تكلّم به في مجالس المدام ، فكتب على ظهر الرقعة ولم يزد حرفا : [ الطويل ]
أمن بعد إحكام التجارب ينبغي « 4 » * لديّ سقوط الطّير في غابة الأسد
وما أنا ممّن يغلب الحبّ قلبه * ولا جاهل ما يدّعيه أولو الحسد
فإن كنت روحي قد وهبتك طائعا * وكيف يردّ الرّوح إن فارق الجسد ؟
فلما وقف الناصر على الجواب تعجّب من فطنته ، ولم يعد إلى استماع واش به .
هامش
( 1 ) الشمول : من أسماء الخمر . ( 2 ) يقرع السن : كناية عن الندم . ( 3 ) في ب : انفراد . ( 4 ) في ب : يبتغى .