الهمّة سمحا بما يجد ، تغلّ عليه ضياعه كلّ عام أموالا جليلة ، فلا تحول السنة حتى ينفد جميع ذلك ويستسلف غيره ، فكان لا يطرأ من المشرق مغنّ إلّا سأل من يقصد بهذا الشأن ، فيدلّ عليه ، فمن وصله منهم استقبله بصنوف البرّ والإكرام ، وكساه وخلطه بنفسه ولم يدعه إلى أحد من الناس ، فلا يزال معه في صبوح وغبوق « 1 » ، وهو مجدّد له كل يوم كرامة ، حتى يأخذ جميع ما معه من صوت مطرب أو حكاية نادرة .
وجلس يوما وقد زاره رجلان من إخوانه ، وحضر أقرباؤه ، فطعموا وشربوا وأخذوا في الغناء ، فارتجّ المجلس « 2 » ، إذ دخل عليه بعض غلمانه فقال : بالباب رجل غريب عليه ثياب السفر ، ذكر أنّه ضيف ، فأمر بإدخاله ، فإذا رجل أسمر سناط « 3 » ، رثّ الهيئة ، فسلّم عليه ، قال :
أين بلد الرجل ؟ قال : البصرة ، فرحّب به ، وأمره بالجلوس ، فجلس مع الغلمان في صفّة « 4 » ، وأتي بطعام فأكل وسقي أقداحا ، ودار الغناء في المجلس ، حتى انتهى إلى آخرهم ، فلمّا سكتوا اندفع يغني بصوت نديّ وطبع حسن : [ الهزج ]
ألا يا دار ما الهجر * لسكّانك من شاني
سقيت الغيث من دار * وإن هيّجت أشجاني
ولو شئت لما استسقي * ت غيثا غير أجفاني
بنفسي حلّ أهلوك * وإن بانوا بسلواني
وما الدّهر بمأمون * على تشتيت خلّاني
فطرب عبد الوهاب وصاح ، وتبيّن الحذق في إشارته ، والطّيب في طبعه ، وقال : يا غلام ، خذ بيده إلى الحمّام ، وعجّل عليّ به ، فأدخل الحمّام ، ونظف ، ثم دعا عبد الوهاب بخلعة من ثيابه فألقيت عليه ، ورفعه فأجلسه عن يساره ، وأقبل عليه وبسطه ، فغنى له : [ مخلع البسيط ]
قومي امزجي التّبر باللّجين « 5 » * واحتملي الرّطل باليدين
هامش
( 1 ) الصّبوح : الشرب في وقت الغداة ، والغبوق : الشرب وقت العشي .
( 2 ) ارتجّ المجلس : اضطرب .
( 3 ) سناط - بكسر السين - ليس في لحيته وعارضيه شعر .
( 4 ) الصفّة : المكان الظليل .
( 5 ) التبر في الأصل : الذهب ، وأراد به هنا الخمر ذات اللون الأصفر ، واللجين في الأصل الفضة وأراد به الماء الصافي ، والمقصود : امزجي الخمر بالماء .