تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 640

مساهمون:

ص٦٤٠
فاضطّرب المسجد ، وكان النّاس متوافرين ، فقام الفضل وصار إلى المأمون بالخبر ، وقال : خفت على نفسي من ثوران النّاس مع الحارث . فأرسل المأمون إلى الحارث فدعاه ، فابتدأه بالمساءلة ، فقال : ما تقول في هذين الرّجلين ؟ فقال : ظالمين غاشمين . قال : هل ظلماك بشيء ؟ قال : لا . قال : فعاملتهما ؟ قال : لا . قال : فكيف شهدت عليهما ؟ قال : كما شهدت أنّك أمير المؤمنين ولم أرك قطّ إلّا السّاعة ، وكما شهدت أنّك غزوت ولم أحضر غزوك . قال : اخرج من هذه البلاد فليست لك ببلاد ، وبع قليلك وكثيرك فإنّك لا تعاينها أبدا . وحبسه في رأس الجبل في قبّة ابن هرثمة . ثم انحدر المأمون إلى البشرود وأحدره «
( a
» معه . فلمّا فتح البشرود أحضر الحارث . فلمّا دخل عليه سأله عن المسألة التي سأله عنها بمصر ، فردّ عليه الجواب بعينه ، فقال : فأيّ شيء تقول في خروجنا هذا ؟ قال : أخبرني عبد الرّحمن بن القاسم ، عن مالك ، أنّ الرّشيد كتب إليه في أهل دهلك يسأله عن قتالهم ، فقال : إن كانوا خرجوا عن ظلم من السّلطان فلا يحلّ قتالهم ، وإن كانوا إنّما شقّوا العصا فقتالهم حلال . فقال المأمون : أنت تيس ، ومالك أتيس منك ، ارحل عن مصر . قال : يا أمير المؤمنين إلى الثّغور ؟ قال : الحق بمدينة السّلام . فقال له أبو صالح الحرّاني : يا أمير المؤمنين تغفر زلّته . قال : يا شيخ تشفّعت ، فارتفع . ولمّا بنى أحمد بن طولون القصر والميدان تحت قبّة الهواء هذه ، كان كثيرا ما يقيم فيها ، فإنّها كانت تشرف على قصره . واعتنى بها الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، وجعل لها السّتور الجليلة والفرش العظيمة ، في كلّ فصل ما يناسبه . فلمّا زالت دولة بني طولون ، وخرب القصر والميدان ، كانت قبّة الهواء ممّا خرب - كما تقدّم ذكره عند ذكر القطائع من هذا الكتاب - ثم عمل موضع قبّة الهواء مقبرة ، وبني فيها عدّة مساجد « 1 » .
هامش
( aبولاق : وأحضره . ( 1 ) فيما تقدم 2 : 80 ، 584 .