تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
الأعوان . فنزل من ذلك بالنّاس بلاء كبير وشدّة عظيمة . فإنّه أخذ حتى من الشّيخ والعجوز والأرملة ، وجبي المال منهم بالعسف . وأبطل كثير منهم سببه لسعيه في الغرامة ، ودهي النّاس مع الغرامة بتسلّط الظّلمة من العرفاء والضّمّان والرّسل . فكان يغرم كلّ أحد للقابض والشّادّ والصّيرفي والشّهود - سوى ما قرّر عليه - جملة دراهم ؛ فكثر كلام النّاس في الوزير ، حتى صاروا يلهجون بقولهم : « هذه سخطة مرصّصة نزلت من السّماء على أهل مصر » . وقاسوا شدّة أخرى في تحصيل الأصناف التي يحتاج إليها . ونزل الوزير منجك ، وضرب له خيمة على جانب الرّوضة ، ونادى في الحرافيش « 1 » والفعلة : « من أراد العمل يحضر ، ويأخذ أجرته درهما ونصفا وثلاثة أرغفة » . فاجتمع إليه عالم كثير ، وجعل لهم شيئا يستظلّون به من حرّ الشّمس ، وأحسن إليهم ، ورتّب عدّة مراكب لنقل الحجر ، وأقام عدّة من الحجّارين في الجبل لقطع الحجر ، وجمالا وحميرا تنقلها من الجبل إلى البحر ، ثم تحمل من البرّ في المراكب إلى برّ الجيزة . وابتدأ بعمل الجسر من الرّوضة إلى ساقية علم الدّين بن زنبور ، وعارضه بجسر آخر من بستان التّاج ألحق «
( a
» إلى ساقية ابن زنبور ، وأقام أخشابا من الجهتين ، وردم بينهما بالتّراب والحجر والحلفاء ، ورتّب الجمال السّلطانية لقطع الطّين من برّ الرّوضة وحمله إلى وسط الجسر ، وأمر أن لا يبقى بالقاهرة ومصر صانع إلّا حضر العمل ، وألزم من كان بالقرب من داره كوم تراب بمصر «
( b
» أن ينقله إلى الجسر . فغرم كلّ واحد من النّاس في نقل التّراب من ألف / درهم إلى خمس مائة درهم . وكان كلّ ما ينقل في المراكب من الحجر وغيره يرمى في وسط جسر المقياس ، وتحمله الجمال إلى الجسر . ثم اقتضى الرّأي حفر خليج يجري الماء فيه عند زيادة النّيل لتضعف قوّة التّيّار عن الجسر . فأحضرت الأبقار والجراريف والرّجال لأجل ذلك ، وابتدأوا حفره من رأس موردة الحلفاء تحت الدّور إلى بولاق ، وكانت الزّيادة قد قرب أوانها ، فما انتهى الحفر حتى زاد ماء النّيل وجرى فيه ، فسّر النّاس به سرورا كبيرا ، وانتهى عمل الجسر في أربعة أشهر ؛ إلّا أنّ الشّناعة قويت على
هامش
( aبولاق : إسحاق .( bساقطة من بولاق . ( 1 ) انظر عن الحرافيش فيما تقدم 91 ه 2 .