تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
قلت : ها هو مع الرّكابدار ؛ فقال لي : ادعه ؛ فدعوته إليه ؛ فلمّا وقف بين يديه والفرس معه ، أمره الأمير بأخذ الغاشيّة ، ووضع الأمير رجله في ركابه وركبه ومضى به إلى داره وأخذ الفرس . فلمّا خرج صاحبه ، عرّفه الرّكابدار بما فعله الأمير فخر الدّين ، فسكت ومضى إلى بيته ، وبقي أيّاما ولم يطلب الفرس . فقال لي الأمير فخر الدّين : يا خطلبا ما جاء صاحب الفرس ولا طلبه ، اطلب لي صاحبه . قال : فاجتمعت به وأخبرته بأنّ الأمير يطلب الاجتماع به ، فسارع إلى الحضور . فلمّا دخل عليه ، أكرمه الأمير ورفع مكانه ، وحدّثه وآنسه وبسطه ، وحضر سماطه فقرّبه وخصّصه من طعامه . فلمّا فرغ من الأكل ، قال له الأمير : يا فلان ما بالك ما طلبت فرسك وله عندنا مدّة ؟ فقال : يا خوند وما عسى أن يكون من هذا الفرس ، وما ركبه الأمير إلّا وهو قد صلح له ، وكل ما صلح للمولى فهو على العبد حرام . ولقد شرّفني مولانا بأن جعلني أهلا أن يتصرّف في عبده ، والمملوك يحسب أنّ هذا الفرس قد أصابه مرض فمات . وأمّا الآن فقد وقع في محلّه وعند أهله ، ومولانا أحقّ به ، وما أسعد المملوك إذا صلح لمولانا عنده شيء . فقال له الأمير : بلغني أنّك أعطيت فيه ألف دينار ؛ قال : كذلك كان ؛ قال : فلم لم تبعه ؟ فقال : يا مولانا ، هذا الفرس / جعلته للجهاد ، وأحسن ما جاهد الإنسان على فرس يعرفه ويثق به ، وما مقدار هذا الفرس له أسوة رأيتني . فاستحسن الأمير همّته وشكره ، ثم أشار إليّ ، فتقدّمت إليه فقال لي في أذني : إذا خرج هذا الرجل ، فاخلع عليه الخلعة الفلانية من أفخر ملبوس الأمير ، وأعطه ألف دينار وفرسه . فلمّا نهض الرّجل أخذته إلى الفرشخاناه ، وخلعت عليه الخلعة ، ودفعت إليه الكيس وفيه ألف دينار . فخدم وشكر وخرج ، فقدّم إليه فرسه وعليه سرج خاصّ من سروج الأمير وعدّة في غاية الجودة ، فقيل اركب فرسك ، فقال : كيف أركبه وقد أخذت ثمنه وهذه الخلعة زيادة على ثمنه ؟ ثم رجع إلى الأمير فقبّل الأرض ، وقال : يا خوند تشريف مولانا لا يردّ ، وهذا ثمن الفرس قد أحضره المملوك . فقال له الأمير فخر الدّين : يا هذا نحن جرّبناك فوجدناك رجلا جيّدا ولك همّة ، وأنت أحقّ بفرسك ، خذ هذا ثمنه ولا تبعه لأحد . فخدمه وشكره ، ودعا له ، وأخذ الفرس الخلعة والألف دينار وانصرف .