تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وكان له مع ذلك على الإسلام منّة توجب أن يترحّم عليه المسلمون كلّهم . وهي أنّ فرنج الشّوبك والكرك توجّهوا نحو مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لينبشوا قبره صلى اللّه عليه وسلم ، وينقلوا جسده الشّريف المقدّس إلى بلادهم ، ويدفنوه عندهم ، ولا يمكّنوا المسلمين من زيارته إلا بجعل . فأنشأ البرنس أرناط - صاحب الكرك - سفنا حملها على البرّ إلى بحر القلزم ، وأركب فيها الرّجال ، وأوقف مركبين على جزيرة قلعة القلزم تمنع أهلها من استقاء الماء . فسارت الفرنج نحو عيذاب ، فقتلوا وأسروا ، ومضوا يريدون المدينة النّبويّة ، على ساكنها أفضل الصّلاة والتّسليم ، وذلك في سنة ثمان وسبعين «
( a
» وخمس مائة . وكان السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب على حرّان ، فلمّا بلغه ذلك بعث إلى سيف الدّولة «
( b
» بن منقذ - نائبه على مصر - يأمره بتجهيز الحاجب [ حسام الدّين ] «
( c
» لؤلؤ خلف العدوّ . فاستعدّ لذلك ، وأخذ معه قيودا ، وسار في طلبهم إلى القلزم ، وعمّر هناك مراكب ، وسار إلى أيلة فوجد مراكب للفرنج فحرقها وأسر من فيها . وسار إلى عيذاب ، وتبع الفرنج حتى أدركهم ولم يبق بينهم وبين المدينة النّبويّة ، على ساكنها أفضل الصّلاة والتّسليم ، إلّا مسافة يوم - وكانوا ثلاث مائة ونيّفا ، وقد انضمّ إليهم عدّة من العربان المرتدّة - فعند ما لحقهم لؤلؤ ، فرّت العربان فرقا من سطوته ، ورغبة في عطيّته ، فإنّه كان قد بذل الأموال ، حتى إنّه علّق أكياس الفضّة على رؤوس الرّماح . فلمّا فرّت العربان التجأ الفرنج إلى رأس جبل صعب المرتقى ، فصعد إليهم في عشرة أنفس وضايقهم فيه ، فخارت قواهم بعد ما كانوا معدودين من الشّجعان ، واستسلموا ، فقبض عليهم وقيّدهم ، وحملهم إلى القاهرة . فكان لدخولهم يوم مشهود ، وتولّى قتلهم الصّوفيّة والفقهاء وأرباب الدّيانة ، بعد ما ساق رجلين من أعيان الفرنج إلى منى ، ونحرهما هناك كما تنحر البدن التي تساق هديا إلى الكعبة « 1 » .
هامش
( aبولاق : وتسعين .( bبياض مقدار كلمة في آياصوفيا .( cإضافة من السلوك . ( 1 ) استهدف مشروع البرنس أرناطRenauld de Chatillon، صاحب الكرك ، من هذه المغامرة التي لم يكتب لها النجاح ، قطع طريق الحجّ على المسلمين وضرب العالم الإسلامي في قلبه بالاستيلاء على الحرمين الشّريفين ، وكذلك الاستيلاء على عدن التي تتحكّم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ، وبذلك يتمكّن الفرنج بفضل سيطرتهم على أيلة في الشّمال وعدن في الجنوب ، من إغلاق البحر الأحمر في وجه أعدائهم واحتكار تجارة الهند ، بعد أن كان البحر الأحمر بحرا -