كنت ممّن ارتاض وعرف مقالات النّاس ، تبيّن لك ما ذكرت . ولا يحتمل هذا الكتاب بسط القول في هذا المعنى .
وإذا تقرّر ما ذكر في هذه الدّعوة عند المدعو ، نقله الدّاعي إلى الدّعوة الثامنة .
الدّعوة الثامنة -
متوقّفة على اعتقاد سائر ما تقدّم ، فإذا استقرّ ذلك عند المدعو دينا له ، قال له الدّاعي : اعلم أنّ أحد المذكورين اللذين هما : مدبّر الوجود والصادر عنه ، إنّما تقدّم السابق على اللاحق تقدّم العلّة على المعلول ، فكانت الأعيان كلّها ناشئة وكائنة عن الصّادر الثاني بترتيب معروف في بعضهم . ومع ذلك فالسّابق عندهم لا اسم له ولا صفة ولا يعبّر عنه ولا يقيّد ، فلا يقال : هو موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ، وكذلك سائر الصّفات - فإنّ الإثبات عندهم يقتضي شركة بينه وبين المحدثات ، والنّفي يقتضي التّعطيل - وقالوا : ليس بقديم ولا محدث ، بل القديم أمره وكلمته ، والمحدث خلقه وفطرته ، كما هو مبسوط في كتبهم .
فإذا استقرّ ذلك عند المدعو ، قرّر عنده الدّاعي أنّ التالي يدأب في أعمال منه «
a
» حتى يلحق بمنزلة السّابق ، وأنّ النّاطق «
b
» في الأرض يدأب في أعماله حتى يلتحق «
c
» بمنزلة «
d
» التالي فيقوم مقامه ويصير بمنزلته سواء ، وأنّ السّوس يدأب في أعماله حتى يصير بمنزلة «
d
» النّاطق سواء ، وأنّ الدّاعي يدأب في أعماله حتى يبلغ منزلة السّوس وحاله سواء . وهكذا تجري أمور العالم في أكواره وأدواره .
ولهذا القول بسط كبير ، فإذا اعتقد المدعو ذلك «
d
» قرّر عنده الدّاعي أنّ معجزة النّبيّ الصّادق النّاطق ليست سوى مجيئه بأشياء «
e
» ينتظم بها سياسة الجمهور ، وتشمل الكافّة مصلحتها بترتيب من الحكمة تحوي معاني فلسفية تنبئ عن حقيقة أنيّة السّماء والأرض ، وما يشتمل العالم عليه بأسره من الجواهر والأعراض : تارة برموز يعقلها العالمون ، وتارة بإفصاح يعرفه كلّ أحد ، فينتظم بذلك للنّبيّ شريعة يتّبعها النّاس .
ويقرّر عنده أيضا أنّ القيامة والقرآن والثّواب والعقاب معناها سوى ما يفهمه العامّة وغير ما يتبادر الذّهن إليه ، وليس هو إلّا حدوث أدوار عند انقضاء أدوار من أدوار الكواكب وعوالم اجتماعاتها ، من كون وفساد جاء على ترتيب الطّبائع ، كما قد بسطه الفلاسفة في كتبهم ، فإذا استقرّ هذا العقد عند المدعو ، نقله الدّاعي إلى الدّعوة التاسعة .
هامش
(a) بولاق : في أعماله .
(b) بولاق : الصامت .
(c) بولاق : يصير .
(d - d) ساقطة من بولاق .
(e) بولاق : غير أشياء .