تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
قال : وقد رأيت على بعض السّقّالات المنحوتة السّاج التي تأتي فيه وقت الزّيادة علامة غريبة ، ويجتمع هذان النّهران الأبيض والأخضر عند مدينة متملّك بلد علوة ، ويبقيان على ألوانهما قريبا من مرحلة ، ثم يختلطان بعد ذلك وبينهما أمواج كبار عظيمة بتلاطمهما . قال : وأخبرني من نقل النّيل الأبيض وصبّه في النّيل الأخضر ، فبقى فيه مثل اللّبن ساعة قبل أن يختلطا . وبين هذين النّهرين جزيرة لا يعرف لها غاية ، وكذلك لا يعرف لهذين النّهرين نهاية . فأوّلهما يعرف عرضه ، ثم يتّسع فيصير مسافة شهر ، ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض لأنّ فيهما أجناسا كثيرة وخلقا عظيما . قال : وبلغني أنّ بعض متملّكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها فلم يأت عليه بعد سنين . وأنّ في طرفها القبلي جنسا يسكنون ودوابّهم في بيوت تحت الأرض مثل السّراديب بالنّهار من شدّة حرّ الشّمس ، ويسرحون في اللّيل ، وفيهم قوم عراة . والأنهار الأربعة الباقية تأتي أيضا من القبلة ، ممّا يلي الشّرق أيضا ، في وقت واحد ، ولا يعرف لها نهاية أيضا وهي دون النّهرين الأبيض والأخضر في العرض وكثرة الخلجان والجزائر . وجميع الأنهار الأربعة تنصبّ في الأخضر ، وكذلك الأوّل الذي قدّمت ذكره ، ثم يجتمع مع الأبيض ، وكلّها مسكونة عامرة مسلوك فيها بالسّفن وغيرها ؛ وأحد هذه الأربعة يأتي مدّه من بلاد الحبشة . قال : ولقد أكثرت السّؤال عنها ، واستكشفتها من قوم عن قوم ، فما وجدت مخبرا يقول إنّه وقف على نهاية جميع هذه الأنهار . والذي انتهى إليه علم من عرّفني عن آخرين إلى خراب ، وأنّه يأتي في وقت الزّيادة في هذه الأنهار آلة مراكب وأبواب وغير ذلك ، فيدلّ على عمارة بعد الخراب . فأمّا الزّيادة ، فيجمعون أنّها من الأمطار مع مادة تأتي من ذاتها ، والدّليل على ذلك النّهر الذي يجفّ ويسكن بطنه ، ثم ينبع وقت الزّيادة . ومن عجائبه أنّلا زيادته في أنهار مجتمعة ، وسائر النّواحي والبلدان في مصر وما يليها والصّعيد وأسوان وبلد النّوبة وعلوة وما وراء ذلك في زمان واحد . وأكثر ما وقف عليه من هذه الزيادة أنّه ربّما وجدت مثلا بأسوان ولا توجد بقوص ثم تأتي بعد ؛ فإذا كثرت الأمطار عندهم ، واتّصلت السّيول ، علم أنّها سنة ريّ ، وإذا قصرت الأمطار علم أنّها سنة ظما .