تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
المسلمون منها ، وانهزم شريك بن سميّ في خيله . وكانت الرّوم قد جعلت صفوفا خلف صفوف . وبرز يومئذ بطريق - ممّن جاء من أرض الرّوم - على فرس له ، عليه سلاح مذهّب ، فدعا إلى البراز . فبرز إليه رجل من زبيد - يقال له حومل ، يكنى أبا مذحج - فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان ، ثم ألقى البطريق الرّمح وأخذ السّيف ، فألقى حومل رمحه وأخذ سيفه ، وكان يعرف بالنّجدة ، فجعل عمرو يصيح : أبا مذحج ، فيجيبه : لبّيك ، والناس على شاطئ النّيل في البرّ على تعبئتهم وصفوفهم ، فتجاولا ساعة بالسّيف ، ثم حمل عليه البطريق ، فاحتمله وكان نحيفا ، فاخترط حومل خنجرا كان في منطقته أو في ذراعه ، فضرب به نحر العلج أوتر قوّته فأثبته ، ووقع عليه فأخذ سلبه . ثم مات حومل بعد ذلك بأيّام رحمه اللّه ، فرئي عمرو يحمل سريره بين عمودي نعشه حتى دفنه بالمقطّم . ثم شدّ المسلمون عليهم ، فكانت هزيمتهم . فطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية ، ففتح اللّه عليهم ، وقتل منويل الخصيّ « 1 » . وقتلهم عمرو حتى أمعن في مدينتهم ، فكلّم في ذلك ، فأمر برفع السّيف عنهم ، وبنى في ذلك الموضع الذي رفع فيه السّيف مسجدا ، وهو المسجد الذي بالإسكندرية الذي يقال له مسجد الرّحمة ، سمّي بذلك لرفع عمرو السّيف هناك ، وهدم سورها كلّه . وجمع ما أصاب منهم فجاءه أهل تلك القرى ممّن لم يكن نقض ، فقالوا : قد كنّا على صلحنا ، وقد مرّ علينا هؤلاء اللّصوص ، فأخذوا متاعنا ودوابّنا ، وهو قائم في يديك ، فردّ عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البيّنة . وقال بعضهم لعمرو : ما حلّ لك ما صنعت بنا ، كان لنا أن تقاتل عنّا لأنّا في ذمّتك ولم ننقض ، فأمّا من نقض فأبعده اللّه ؛ فندم عمرو وقال : يا ليتني كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية « 2 » . وكان سبب نقض الإسكندرية هذا ، أنّ طلما صاحب إخنا قدم على عمرو فقال : أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فنصبر لها ؛ فقال عمرو ، وهو يشير إلى ركن كنيسة : لو أعطيتني من الرّكن إلى السّقف ما أخبرتك ، إنّما أنتم خزانة لنا : إن كثر علينا كثّرنا عليكم ، وإن خفّف عنّا خفّفنا عنكم « 3 » .
هامش
( 1 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 175 - 176 . ( 2 ) نفسه 176 . ( 3 ) نفسه 154 ، 176 ؛ وفيما تقدم 206 .