تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
قال : والسّبب في عظم المدّ والجزر كثرة الأشعّة ، فإذا زاحمت الشّمس والقمر الكواكب السّيّارة ، عظم فيض البحر ، وإذا عظم فيض البحر فاضت الأنهار ، وكذلك إذا نهض القمر لمقابلة أحد السّيّارة ارتفع البخار ، وصعد إلى كرة «
( a
» الزّمهرير ، ونزل المطر . فإذا فارق القمر الكوكب ارتفع المطر لكثرة التحليل ، كما يكون في نصف النّهار عند توسّط الشّمس لرؤوس الخلق ، وكما يكون عند حلول الكواكب الكثيرة «
( b
» على وسط خطّ أرين ، واللّه تعالى أعلم بالصّواب . قال كاتبه «
( c
» : الذي يحصل من هذا القول أنّ النّيل مخرجه من جبل القمر ، وأنّ زيادته إنّما هي من فيض البحر عند المدّ . فأمّا كون مخرجه من جبل القمر فمسلّم إذ لا نزاع في ذلك ، وأمّا أنّ «
( d
» زيادته لا تكون إلّا من ردع البحر له بما حصل فيه من المدّ ، فليس كذلك . نعم توالي هبوب الرّياح الشّمالية معينة «
( e
» على وفور الزّيادة وردع البحر له إعانة على الزّيادة . ومن تأمّل النّيل علم أنّ سيلا سال فيه ولا بد ، فإنّه لا يزال أيّام الشّتاء وأوائل فصل الرّبيع ماؤه صافيا من الكدرة ، فإذا فرغت أيّام زيادته وكان في غاية نقصه تغيّر طعمه ، ومال لونه إلى الخضرة ، وصار بحيث إذا وضع في إناء يرسب منه شبه أجزاء صغيرة من طحلب . وسبب ذلك أن البطيحة التي في أعالي الجنوب تردها الفيلة ونحوها من الوحوش حتّى يتغيّر ماؤها ، فإذا كثرت أمطار الجنوب في فصل الصّيف ، وعظمت السّيول الهابطة في هذه البطيحة ، فاض منها ما تغيّر من الماء ، وجرى إلى أرض مصر ، فيقال عند ذلك توحّم النّيل « 1 » . ولا يزال الماء كذلك حتى يعقبه ماء متغيّر ، ويزاد عكره بزيادة الماء ، فإذا وضع منه أيّام الزيادة شيء في إناء رسب بأسفله طين لم يعهد فيه قبل أيّام الزيادة ، وهذا الطّين هو الذي تحمله السّيول التي تنصبّ في النّيل حتى تكون زيادته منها ، وفيه يكون الزّرع بعد هبوط النّيل ، وإلّا فأرض مصر سبخة لا تنبت ولا ينبت منها إلّا ما مرّ عليه ماء النّيل ، وركد منه هذا الطّين . وقوله « 2 » : « إنّ السّيل يكون في غير وقت فيض البحر ، ولا يفيض النّيل لكون البحر في الجزر ، فيصل السّيل ويمرّ نحو البحر فلا يردعه رادع » غير مسلّم ، وإن العادة أنّ السّيول التي عليها زيادة
هامش
( aبولاق : كورة .( bبولاق : الكبيرة .( cبهامش نسخة الأصل : في الأصل كاتبه واستعاض عنها في النص بكلمة مؤلفه .( dبولاق : كون .( eساقطة من بولاق . ( 1 ) انظر فيما يلي 162 . ( 2 ) واضح أن المقريزي يستمر في النقل عن صاحب كتاب « المسالك والممالك » الذي لم يعيّنه .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 147 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد