تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
شيء إلى شيء ، والدّعة والجبن والقنوط والشّحّ وقلّة الصّبر ، والرّغبة في العلم ، وسرعة الخوف ، والحسد والنّميمة والكذب والسّعي إلى السّلطان وذمّ الناس . وبالجملة فيغلب عليهم الشّرور الدّنيئة التي تكون من دناءة النّفس «
( a
» ، وليس هذه الشّرور عامّة فيهم ، ولكنّها موجودة في أكثرهم ، ومنهم من خصّه اللّه بالفضل وحسن الخلق ، وبرّأه من الشّرور . ومن أجل توليد أرض مصر الجبن والشّرور الدّنيئة في النّفس لم يسكنها الأسد ، وإذا دخلت ذلّت ولم تتناسل ، وكلابها أقلّ جراءة «
( b
» من كلاب غيرها من البلدان ، وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر ، ما خلا ما كان منها في طبعه ملائما لهذه الحال كالحمار والأرنب « 1 » . قال : إنّ جالينوس يرى أنّ فصل الرّبيع طبيعته الاعتدال ، ويناقض [ في كتابه في المزاج ] «
( c
» من ظنّ أنّه حارّ رطب . ومن شأن هذا الفضل أن تصحّ فيه الأبدان ويجود هضمها ، وتنتشر الحرارة الغريزية فيه ، ويصفو الرّوح الحيواني ، لاعتدال الهواء وصفائه ، ومساواة ليله لنهاره ، وغلبة الدّم . والهواء المعتدل هو الذي لا يحسّ فيه ببرد ظاهر ولا حرّ ولا رطوبة ولا يبس ، ويكون في نفسه نقيّا صافيا ، فيقوى فيه الرّوح الحيواني لهذا السّبب ، وتصحّ الأبدان ويكثر نشاط الحيوان ، وتنمو الأشياء وتزيد وتتولّد «
( d
» . وإذا طلبنا بأرض مصر مثل هذا الهواء لم نجده في وقت من السّنة ، إلّا في أمشير وبرمهات وبرمودة وبشنس ، عندما تكون الشّمس في النصف الأخير من الدّلو والحوت والحمل والثّور ، فإنّا نجد بمصر في هذا الزّمان أيّاما معتدلة نقيّة صافية ، لا يحسّ فيها بحرّ ظاهر ولا برد ولا رطوبة ولا يبوسة ، وتكون الشّمس فيها نقيّة من الغيوم ، والهواء ساكنا لا يتحرّك ، إلّا أن يكون ذلك في برمودة وبشنس ، فإنّه يحتاج إلى أن تهبّ ريح الشّمال ليعتدل ببردها حرّ الشّمس . وفي هذا الزّمان تكثر حركة الحيوان وسفاده ، وتحسن أصواته ، وتورق الأشجار ، ويعقد الزّهر ، وتقوى القوّة المولّدة ، ويغلب كيموس الدم « 3 » . وفي هذا الفصل في أرض مصر يتقدّم زمانه
هامش
( aبولاق : الأنفس .( bابن رضوان : أقل حدّة .( cإضافة من ابن رضوان .( dبولاق : تتوالد . ( 1 ) ابن رضوان : دفع مضار الأبدان 126 - 131 . ( 2 ) نفسه 135 . ( 3 ) لفظ سرياني معرب بمعنى الخلاصة الغذائية .