تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وأهل مصر يشرب الجمهور منهم من ماء النّيل ، وقد قلنا في ماء النّيل ما فيه كفاية ، وبعضهم يشرب مياه الآبار ، وهي قريبة من مشاكلتهم ، والمياه المخزونة فقلّ من يشربها بأرض مصر . وأجود الأشربة عندهم الشّمسي ، لأنّ العسل الذي فيه يحفظ قوّته ولا يدعه يتغيّر بسرعة ، والزّمان الذي يعمل فيه خالص الحرّ فهو ينضجه ، والزّبيب الذي يعمل منه مجلوب من بلاد أجود هواء . وأمّا الخمر فقلّ من يعتصرها إلّا ويلقى معها عسلا ، وهي معتصرة من كرومهم فتكون مشاكلة لهم ، ولهذا صاروا يختارون الشّمسي عليها ، وما عدا الشّمسي والخمر من الشّراب بأرض مصر ، فرديء لا خير فيه لسرعة استحالته من فساد مادّته كالنّبيذ التمري والمطبوخ والمزر المعمول من الحنطة . وأغذية أهل مصر مختلفة : فإنّ أهل الصّعيد يغتذون كثيرا بتمر النّخل والحلاوة المعمولة من قصب السكر ، ويحملونها إلى الفسطاط وغيرها ، فتباع هناك وتؤكل . وأهل أسفل الأرض يغتذون كثيرا بالقلقاس والجلّبان ، ويحملون ذلك إلى مدينة الفسطاط وغيرها ، فتباع هناك وتؤكل ، وكثير من أهل مصر يكثرون أكل / السّمك طريّا ومالحا . وكثير يكثرون أكل الألبان وما يعمل منها ، وعند فلاحيهم نوع من الخبز يدعى كعكا ، يعمل من جريش الحنطة ويجفّف ، وهو أكثر أكلهم السّنة كلّها . وبالجملة فكلّ قوم منهم قد نبتت «
( a
» أبدانهم من أشياء بأعيانها وألفتها ونشأت عليها ، إلّا أنّ الغالب على أهل مصر الأغذية الرّديئة ، وليست تغيّر مزاجهم ما دامت جارية على العادة ، وهذا أيضا ممّا يؤكّد أمرهم في السّخافة وسرعة الوقوع في الأمراض . وأهل الرّيف أكثر حركة ورياضة من أهل المدن ، ولذلك هم أصحّ أبدانا ؛ لأنّ الرّياضة تصلّب أعضاءهم وتقوّيها . وأهل الصّعيد أخلاطهم أرقّ وأكثر دخانية وتخلخلا وسخافة ، لشدّة حرارة أرضهم من أهل «
( b
» أسفل الأرض . وأهل أسفل الأرض بمصر أكثر استفراغ فضولهم بالبراز والبول ، لفتور حرارة أرضهم ، واستعمالهم للأشياء الباردة والغليظة كالقلقاس . وأمّا أخلاق «
( c
» المصريين فبعضها شبيه ببعض ، لأنّ قوى النّفس تابعة لمزاج البدن ، وأبدانهم سخيفة سريعة التّغيّر قليلة الصّبر والجلد ، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستحالة ، والتّنقّل من
هامش
( aبولاق : ابتنت . ابن رضوان : أنبتت .( bساقطة من بولاق .( cبولاق : أخلاط .