تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
وبعد ، فإنّ علم التّاريخ من أجلّ العلوم قدرا ، وأشرفها عند العقلاء مكانة وخطرا ، لما يحويه من المواعظ والإنذار بالرّحيل إلى الآخرة عن هذه الدّار ، والاطّلاع على مكارم الأخلاق ليقتدى بها ، واستعلام مذام الفعال ليرغب عنها أولو النّهى ؛ لا جرم أن كانت الأنفس الفاضلة به وامقة ، والهمم العالية إليه مائلة وله عاشقة ، وقد صنّف فيه الأئمّة كثيرا ، وضمّن الجلّة «
( a
» كتبهم منه شيئا كبيرا . وكانت مصر هي مسقط رأسي ، وملعب أترابي ومجمع ناسي ، ومغنى عشيرتي وحامّتي ، وموطن خاصّتي وعامّتي ، وجوّي «
( b
» الذي ربّي جناحي في وكره ، وعشّ مأربي فلا تهوى الأنفس غير ذكره . لا زلت مذ شذوت العلم ، وآتاني ربّي الفطانة والفهم ، أرغب في معرفة أخبارها ، وأحبّ الإشراف على الاغتراف من آبارها ، وأهوى مساءلة الرّكبان من سكّان ديارها . / فقيّدت بخطّي في الأعوام الكثيرة ، وجمعت من ذلك فوائد قلّ ما يجمعها كتاب ، أو يحويها لعزّتها وغرابتها إهاب . إلّا أنّها ليست بمرتّبة على مثال ، ولا مهذّبة بطريقة ما نسج على منوال . فأردت أن ألخّص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية عن الأمم الماضية والقرون الخالية ، وما بقي بفسطاط مصر من المعاهد غير ما كاد يفنيه البلى والقدم ، ولم يبق إلّا أن يمحو رسمها الفناء والعدم . وأذكر ما بمدينة القاهرة من آثار القصور الزّاهرة ، وما اشتملت عليه من الخطط والأصقاع ، وحوته من المباني البديعة الأوضاع ، مع التعريف بحال من أسّس ذلك من أعيان الأماثل ، والتّنويه بذكر الذي شادها من سراة الأعاظم والأفاضل ؛ وأنثر خلال ذلك نكتا لطيفة وحكما بديعة شريفة ، من غير إطالة ولا إكثار ، ولا إجحاف مخلّ بالغرض ولا اختصار ، بل وسط بين الطّرفين ، وطريق بين بين ؛ فلهذا سمّيته كتاب « المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار » . وإنّى لأرجو أن يحظى - إن شاء اللّه تعالى - عند الملوك ، ولا ينبو عنه طباع العامّيّ والصّعلوك ، ويجلّه العالم المنتهي ، ويعجب به الطّالب المبتدي ، وترضاه خلائق العابد النّاسك ، ولا يمجّه سمع الخليع الفاتك ، ويتّخذه أهل الرّفاهة والبطالة «
( c
» سمرا ، ويعدّه أولو الرأي والتدبير موعظة وعبرا ، يستدلّون به على عظيم قدرة اللّه - جلّ جلاله «
( d
» - في تبديل الأبدال ، ويعرفون به عجائب صنع ربّنا سبحانه من تنقّل الأمور إلى حال بعد حال .
هامش
( aبولاق : الأجلة .( bبولاق : جؤجؤي .( cبولاق : أهل البطالة والرفاهية .( dبولاق : تعالى .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 4 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد