تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
بحر أبي المنجا « 1 » : وكان من منتزهات الخلفاء ، يوم فتح بحر أبي المنجا ، قال ابن المأمون : وكان الماء لا يصل إلى الشرقية إلّا من السردوسيّ ، ومن الصماصم ، ومن المواضع البعيدة ، فكان أكثرها يشرق في أكثر السنين ، وكان أبو المنجا اليهوديّ مشارف الأعمال المذكورة ، فتضرّر المزارعون إليه ، وسألوا في فتح ترعة يصل الماء منها في ابتدائه إليهم ، فابتدأ بحفر خليج أبي المنجا في يوم الثلاثاء السادس من شعبان سنة ست وخمسمائة ، وركب الأفضل بن أمير الجيوش ضحى ، وصحبته القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ ، وجميع إخوته والعساكر تحاذيه في البرّ وجمعت شيوخ البلاد وأولادها ، وركبوا في المراكب ، ومعهم حزم البوص « 2 » في البحر ، وصار العشاريّ ، والمراكب تتبعها إلى أن رماها الموج إلى الموضع الذي حفروا فيه البحر ، وأقام الحفر فيه سنتين ، وفي كل سنة تتبين الفائدة فيه ، ويتضاعف من ارتفاع البلاد ، ما يهوّن الغرامة عليه . ولما عرض على الأفضل جملة ما أنفق فيه استعظمه وقال : غرمنا هذا المال جميعه ، والاسم لأبي المنجا ، فغير اسمه ، ودعي بالبحر الأفضليّ ، فلم يتم ذلك ، ولم يعرف إلّا بأبي المنجا ثم جرى بين أبي المنجا ، وبين ابن أبي الليث ، صاحب الديوان بسبب الذي أنفق خطوب أدت إلى اعتقال أبي المنجا عدّة سنين ، ثم نفي إلى الإسكندرية بعد أن كادت نفسه تتلف ، ولم يزل القائد أبو عبد اللّه بن فاتك ، يتلطف بحاله إلى تضاعف من عبرة البلاد ما سهل أمر النفقة فيه . ورأيت بخط ابن عبد الظاهر ، وهذا أبو المنجا هو جدّ بني صفير الحكماء اليهود ، والذين أسلموا منهم ، ولما طال اعتقال أبي المنجا في الإسكندرية في مكان بمفرده مضيقا عليه ، تحيل في تحصيل مصحف ، وكتب ختمة ، وكتب في آخرها : كتبها أبو المنجا اليهوديّ ، وبعثها إلى السوق ليبعها ، فقامت قيامة أهل الثغر ، وطولع بأمره إلى الخليفة ، فأخرج . وقيل له : ما حملك على هذا ؟ فقال : طلب الخلاص بالقتل ، فأدّب ، وأطلق سبيله . وقيل : إنه كان في محبسه حية عظيمة ، فأحضر إليه في بعض الأيام لبن ، فرأى الحية ، وقد شربت منه ، ودخلت حجرها ، فصار في كل يوم يحضر لها لبنا ، فتخرج وتشرب منه ، وتدخل مكانها ، ولم تؤذه .
هامش
( 1 ) بحر أبي المنجا : أول من احتفره الملك الأفضل شاهنشاه . وكان يشارف على العمل رجل يهودي اسمه أبو المنجا فعرف به . صبح الأعشى 3 / 334 . ( 2 ) البوص : نبات من نباتات المستنقعات من الفصيلة النجيلية على هيئة القصب والغار . ( المعجم الوسيط ) .