تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
لحكمة ، وله فيها أسرار خفية ، حتى جمع ما جمع ، وفرّق ما فرّق ، فكيف يسعلكم الإعراض عن هذه الأمور ، وأنتم تسمعون قول اللّه عز وجل :
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ الذاريات / 20 ، 21 ] ،
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
[ إبراهيم / 25 ] ،
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت / 53 ] . فأيّ شيء رآه الكفار في أنفسهم وفي الآفاق ، حتى عرفوا أنه الحق ، وأيّ حق عرفه من جحد الديانة ، ألا يدلكم هذا على أنّ اللّه جل اسمه أراد أن يرشدكم إلى بواطن الأمور الخفية ، وأسرار فيها مكتومة لو نبهتم لها ، وعرفتموها لزالت عنكم كل حيرة ، ودحضت كل شبهة ، وظهرت لكم المعارف السنية ، ألا ترون أنكم جهلتم أنفسكم التي من جهلها ، كان حريا أن لا يعلم غيرها ، أليس اللّه تعالى يقول :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
[ الإسراء / 72 ] ونحو ذلك من تأويل القرآن ، وتفسير السنن والأحكام ، وإيراد أبواب من التجويز والتعليل ، فإذا علم الداعي أن نفس المدعوّ قد تعلقت بما سأله عنه ، وطلب منه الجواب عنها قال له : حينئذ لا تعجل فإنّ دين اللّه أعلى وأجل من أن يبذل لغير أهله ، ويجعل غرضا للعب وجرت عادة اللّه ، وسنته في عباده عند شرع من نصبه أن يأخذ العهد على من يرشده ، ولذلك قال :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
[ الأحزاب / 7 ] ، وقال عز وجلّ :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
[ الأحزاب / 23 ] ، وقال جلّ جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
[ المائدة / 1 ] ، وقال :
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً
[ النحل / 91 ] ، وقال :
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
[ المائدة / 70 ] . ومن أمثال هذا فقد أخبر اللّه تعالى أنه لم يملك حقه إلا لمن أخذ عهده فأعطنا صفقة يمينك ، وعاهدنا بالموكد من أيمانك وعقودك ، أن لا تفشي لنا سرّا ، ولا تظاهر علينا أحدا ، ولا تطلب لنا غيلة ، ولا تكتمنا نصحا ، ولا توالي لنا عدوّا ، فإذا أعطى العهد قال له الداعي : أعطنا جعلا من مالك نجعله مقدّمة أمام كشفنا لك الأمور ، وتعريفك إياها ، والرسم في هذا الجعل بحسب ما يراه الداعي ، فإن امتنع المدعوّ أمسك عنه الداعي ، وإن أجاب وأعطى نقله إلى الدعوة الثانية ، وإنما سميت الإسماعيلية بالباطنية لأنهم يقولون : لكل ظاهر من الأحكام الشرعية باطن ، ولكل تنزيل تأويل . الدعوة الثانية : لا تكون إلّا بعد تقدّم الدعوى الأولى ، فإذا تقرّر في نفس المدعوّ جميع ما تقدّم ، وأعطى الجعل ، قال له الداعي : إنّ اللّه تعالى لم يرض في إقامة حقه ، وما شرعه لعباده إلّا أن يأخذوا ذلك عن أئمة نصبهم للناس ، وأقامهم لحفظ شريعته على ما أراده اللّه تعالى ، ويسلك في تقرير هذا ، ويستدل عليه بأمور مقرّرة في كتبهم ، حتى يعلم أن
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت ) — صفحة 262 | المقريزي