تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من البحر المتوسط إلى الخليج — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
حلب وديار بكر وماردين والموصل وسنجار حكاما مسلمين تشير المباني التي خلفوها إلى أنهم كانوا يعيشون حياة الترف والأبهة وكانت لديهم حضارة عالية التطور . ولكن بعد أن جاءت جحافل تيمورلنك من الشرق وأصبح السكان المستقرون عرضة لهجمات البدو المتواصلة ذبلت هذه الحضارة وهوت القصور المزدهرة عن مكانتها الشامخة . على الرغم من ذلك بقيت المنطقة ، التي يفترض أن يمر بها خط حديد دجلة حسب المسار المذكور أعلاه ، بفضل الظروف الطبيعية الملائمة ونتيجة لتعزيز سلطة الحكومة التركية في الآونة الأخيرة ، بعيدة عن الإصابة بمزيد من التراجع والدمار . وبالدرجة الأولى فإن المنطقة بكاملها غنية بالمياه . فالمجاري المائية التي تنحدر من سفوح طور عابدين وجبال كردستان تتحول غالبا ، نتيجة سقوط كميات هائلة من الأمطار ، إلى أنهار جارفة قوية تشكل عائقا على طريق القوافل التي تمر من هنا « 1 » . ونهر دجلة نفسه يفيض في كثير من الأحيان عن مجراه ويغمر مساحات واسعة من الأراضي المجاورة له ، وكما هو النيل بالنسبة لمصر فإن دجلة بالنسبة لجنوب منطقة ما بين النهرين - في بلاد بابل الأصلية طبعا بالاتحاد مع الفرات - يشكل العامل الرئيسي الذي يجلب الخصوبة والنعمة . كانت المهمة الرئيسية للسكان العاملين في الزراعة هنا في العصور القديمة والوسطى تكمن في بناء منظومة عظيمة من القنوات وشبكات الري للتحكم بالكميات الهائلة من مياه دجلة ، التي تشكل اليوم في بعض الأحيان خطرا حقيقيا على بغداد ، والاستفادة من طاقتها المباركة وتحويل الأراضي البائرة الآن إلى أراض زراعية شديدة الخصوبة . وحيثما تروى الأرض اليوم ينبت جميع أنواع الحبوب وكل ما يخطر على البال من ثمار « 2 » .
هامش
( 1 ) كون الحركة الرئيسية للقوافل حاليا تسلك الطريق المطابق لمسار خط حديد دجلة لهو دليل قاطع على أفضلية خط حديد دجلة على خط حديد الفرات . ( 2 ) لا شك في أن زراعة القطن بكميات كبيرة في بلاد بابل ستحقق نجاحا هائلا . في سنجق بغداد ، أي في جوار العاصمة الإقليمية ، تمّ في عام 1893 إنتاج 384500 كيلو غرام من القطن ( قارن كينيه ، نفس المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 21 ) . وفي حوران وجدت كثيرا من شجيرات القطن المتفرقة ( انظر الجزء الأول من هذا الكتاب ، ص 216 ) ، وفي أجزاء أخرى من سورية ، وخاصة في سهول أضنة -