ولمالقة مما فضلت به ما حفّها من شجر اللوز وشجر التين ، إذ هو بها طوفان لا تزال تحمل منه الركاب والسّفين ، وهو مفضّل على سائرتين الأندلس ، إلا شعريّ إشبيلية ، فإن بعضهم يفضله ، ولا سيما في دخوله في الأودية ومنفعته . ويكفيها عن الإطناب ما يتضمن شرح اسمها ، إذ معنى ريّة عند النصارى : سلطانة فهي سلطانة البلاد . ولها القلعة المنيعة التي تتقلّد من المجرّة بنجاد . قال ابن سعيد : دخلت مدينة مالقة وأقمت فيها إقامة أرضت الشباب ، وأمتعت مجالس الآداب . وكان والدي يفضلها ويعجب بها ولا سيما في أيام فرحهم وخروجهم إلى كروم العنب والتين ، ولقد خرجنا إلى كرم أقمنا فيه مدة منفعته ، فعدنا ذلك من أيام النعيم ، إذ بياض أبراجها في خضرة شجرها مع تناسقها وكثرتها كما قال الكاتب أبو العباس الشلبي :
نظرت لمالقة مرّة * وقد زينوا أرضها بالبروج
فقلت سماء بدت زهرها * تضاهي نجوم السّماء والبروج
وخمر مالقة مشهورة بالأندلس مفضّلة ، وفيها من ضروب الوشي العجائب ، ويصنع بها الفخّار المذّهب والزجاج ، ولأبي الحسين بن مسلمة موشحة في واديها ، وهي :
بوادي ربّه * اخلع عذار التصابي
أما تراه مفرّع
بالروض عاد مجزّع
سقاه ريّه * من صفو ماء السّحاب
عليه حثّ المدامه
وانظره في شكل لامه
خاف الرياض حمامه
فكم خطيئة * مدّت له كالحراب
دعني من العشق دعني
فكم به هاج حزني
فالآن أعشق دنّي
وأقصي ميّه * مع المنى والرّباب
الكاس أعشق عمري
للّه ساعات سكري
ما بين ورد وزهر
فما لي نيّه * في غير هذا الحساب