تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
الرّكائب بردا ولا هجيرا . يعمل مطيّه على وجاها ، ويعمل لما زاده رتبة وجاها « 1 » ، لأدب رقّ كالخدّ سلسله ، وخطّ حسن كالصّدغ مسلسله ، وشعر كان فيه مطبوعا لا يتكلّف ، ومتبوعا لا تجد عنه من يتخلّف . وأغري بالتورية والاستخدام ، وأتى منهما بالماء والمدام ، فألقى على الناس منه محبّه ، وملك القلوب فلم يدع منها حبّه ، فأخمل شعراء الشام والعراق ، وضمّ اللطائف ( 135 ) ضمّ السّاعد للعناق . وطالما بات ليالي لا ينقاد لوسن ، ولا يرتاد إلّا سهل الكلام لكنه الحسن . وكان يعدّ في حماة من حماتها ، وممن تفلق به الدّروع قلوب كماتها . وصحب ملوكها الطّيّبين بحارا ، وأمسى لهم في جانب الفرقدين جارا ، فبلغ به جودهم فوق همّاته ، وغادروه الدهر شاكرا لحماته . وله معهم أخبار يطول شرحها ، ويحول سرحها . حكي أنّ الملك المنصور استدعاه في ليلة غفل رقيبها ، وحضر ربيبها ، وسحبت من الذّوائب ضفائرها ، وسجنت من بيض الأيام ضرائرها ، إلى مجلس من خزف ، وفواكه لم تحرف . وأمامه جدول قد خرّ ماؤه فتكسّر ، وأنّ عليه كل بارق وتحسّر . والكؤوس دائره ، والشّموس في أيدي البدور سائرة . فلما رأى الجدول ، وقد أصابته من العين نظرة فتعثّر ، وسقط عقد لؤلؤه فتنتّر ، نظر إليه ، وقال : [ الكامل ]
يا حسنه من جدول متدفّق * يلهي برونق حسنه من أبصرا
ما زلت أنذره عيونا حوله * خوفا عليه أن يصاب فتعثرا
فأبى وزاد تماديا في جريه * حتّى هوى من شاهق فتكسّرا
فسرّ المنصور بأبياته ، وأحبّ استطلاع خبايا بناته ، وأمره بالجلوس إليه ، وجعله أرفع القوم مجلسا لديه . ثم لم يستقرّ به المكان ، ولا قعد واستكان ، حتى
هامش
( 1 ) : وجاها : رقّة أقدامها من كثرة المشي .