ومنهم :
3 - أبو الفتح ، ولقّب كشاجم « 1 »
لخمسة فنون كان يحسنها ، ويأخذ منها بطرف جيّد وإن كان لا يتقنها ، فكان كاتبا بذّ ، وشاعرا من ذاق شعره استلذّ ، وأديبا أدبه مثل قطع السّحاب إذا رذّ ، وجدليّا ما أخذ بطرف مباحث إلّا جذّ ، ومنجّما أتقن أحكام النجوم إلّا ما شذّ ، هذا على أنّه إنّما يتقن نكته الأدبية فإنّها النجوم الزاهرة ، ويتكلّم بالعلوم الباطنة على أحكامها الظاهرة ، وكان طبّاخا مجيدا لا تعدّ ألوانه « 2 » ، ولا يمدّ الّا بين سماطي الملوك خوانه ، وله بدائع في وصف المواقد والنيران وألوان الطعام ، ولم يحضرني في هذا الوقت ولا ديوانه ، وإنّما غلب عليه الشعر حتى عرف به دون بقية ما يعرفه ، واشتهر بنقده ممّا كان مثل الذهب الإبريز يصرفه بلطف لو دبّ ماؤه في الخدود لصبغها ، أو جال في مراشف الكؤوس لسوّغها ، وكتب فأراش السهام وبراها ، وطيّب الأفهام فأبراها ، وصبّ الأقلام في نحور الرماح فدراها ، وأصدر الأعلام إلى مواقف النّصرة كأنّه على معاقد البنود قراها ببصيرة درّية ، وبديهية على اختلاف المعاني جرّية ، ومسدّدات من الآراء يزيل بها الظنون شبهها / 133 وتستحلب النّعم سبهها لإدارة تجلو عن مقل الأسنّة مرمها ، وسعادة كانت تأتيه من قبل أمور كثيرة ولو كرهها ، فهو لجّ والبحر شاطئه ، وكواكب وما النجم إلّا ما هو يواطئه وكثيرا ما نحل إليه السريّ الرّفاء ممّا ينسب إلى الخالديّين بنات أفكاره . ومن جيّد ما وقع لي من صالح أشعاره قوله : [ المجتث ]
بي منك ما لو وزنت أيسره * بما على الأرض كلّها وزنا « 3 »
هامش
( 1 ) كشاجم ، محمود بن الحسين من أهل الرملة بفلسطين ، كان رئيسا في الكتابة ، مقدّما في الشعر ، له مؤلفات منها كتاب المصايد والمطارد ، تحقيق د . محمد أسعد طلس ، طبع في بغداد سنة 1954 ، أمّا ديوانه فكبير حققّته ونشرته خيرية محمد محفوظ ، وطبع في بغداد سنة 1970 ، وقدّمت للديوان بمقدمة جيدة تضمنّت تفاصيل حياته ، وخصائص شعره . وينظر كذلك شذرات الذهب ، لابن العماد ، 3 / 37 - 38 .
( 2 ) قيل إنّه كان طبّاخ سيف الدولة الحمداني . ينظر شذرات الذهب ، 3 / 83 .
( 3 ) ديوانه ، ص 460 .