تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
صاحب حماة ومن حضر . قلت : ولم يقع إليّ من هذا الصوت غير ما ذكرت . حكي أنه كان مع صاحب حماة على مجلس الشراب وهم ببلاد بارين « 1 » ، والربيع قد سحب بردائه على الثرى ، والسحاب قد أودع في ثغور الأقاح جوهرا ، والنسيم قد هب من تحت أعكان « 2 » الليل معنبرا « 3 » ، والروض قد أخذ زخرفه ، والنور قد نظم أحرفه ، والبدر قد طرح تاجه ، وألبس الشمس شرفه ، والراح قد راقت كأنها وجه حبيب ، وطابت كأنها غفلة رقيب ، والمدام قد أديرت في عسجدية ، والكؤوس قد رقت في تلك الصفحة الندية ، والسقاة كأنها أقمار توشحت الجوزاء مناديل ، والأصداغ كأنها محاريب اشتعلت فيها الخدود قناديل ، فاقترح عليه الغناء في شعر خمري يناسب ذلك المقام ، ويحث به سوابق كبنت تلك المدام ، فاندفع يغني : [ البسيط ]
والكأس تسلبني عقلي وأهون ما * لهوت عن ذكره عقلي إذا سلبا
خمرا تمشّي بناني وهي فوق يدي * منها بمثل شعاع الشمس مختضبا
شربتها غير مخمور ولو طلب ال * خمّار روحي بها أعطيت ما طلبا
وأربح الناس عندي في تجارته * محصّل يشتري بالفضّة الذّهبا
ومن أصوات الخروف : [ الطويل ]
إذا لم تكن تنهي إلى غيرك الشكوى * فما ثمّ إلا الصّبر فيك على البلوى
[ ص 322 ]
هامش
( 1 ) بارين : والعامة تقول ( بعرين ) ، مدينة حسنة بين حلب وحماة من جهة الغرب ( ياقوت : بارين ) . ( 2 ) أعكان الليل : تجمع ظلامه بعضه فوق بعض ، ومنه العكنة : ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا . ( 3 ) معنبرا : فيه رائحة العنبر .