يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكني * واربح فؤادك واحذر فتنة الدعج « 1 »
يا صاحبي وأنا البر الرؤوف وقد * بذلت نصحي بذاك الحي لا تعجي « 2 »
فيه خلعت عذاري واطّرحت به * قبول نسكي والمقبول من حججي
فابيضّ وجه غرامي في محبّته * واسودّ وجه ملامي فيه بالحجج « 3 »
تبارك الله ما أحلى شمائله * فكم أماتت وأحيت فيه من مهج
يهوى لذكر اسمه من لجّ في عذلي * سمعي وإن كان عذلي فيه لم يلج « 4 »
وأرحم البرق في مسراه منتسبا * لثغره وهو مستحي من الفلج « 5 »
تراه إن غاب عني كل جارحة * في كل معنى لطيف رائق بهج
في نغمة العود والناي الرخيم إذا * تألفا بين ألحان من الهزج
هامش
( 1 ) ساكن القلب : من قلبه غير مضطرب بلواعج المحبة والشوق .
سكني : حبيبي . فالسكن : المرأة لأنه يسكن إليها " اللسان - مادة سكن " .
والدعج : شدة سواد العين مع سعها مع شدة بياض بياضها " اللسان - مادة دعج " .
يقول : يا من قلبه ساكن لا تنظر لوجه حبيبي الذي أسكن إليه ، فإنك لا تقدر قدر محبته وعشقه ، وكف بصرك عن الطمع في رؤية جماله ، واغتم قلبك لئلا يضيع من يدك ، واحذر الفتنة الحاصلة من الدعج .
( 2 ) يخاطب في هذا البيت والذي قبله ساكن القلب في صدق ورحمة به .
يقول : لقد نصحتك أن لا تنظر إلى سكني - أي حبيبي - وأزيد على ذلك نصيحتي بأن لا تعج ولا تقف بحي الحبيب مخافة عليك أن تفتن بالمحبة وتقع في شرك البلاء والمحنة ، فقد خلعت عذاري - كناية عن عدم المبالاة بما يفعل - وألقيت عن قلبي الإقبال على غير الحق تعالى ، وأفردت توجهي إليه سبحانه ، ولم أشتغل عنه بقبول طاعة ولا عبادة .
( 3 ) ابيضاض وجه الغرام : بمعنى أنه صار مقبولا عنده وعند الحق تعالى .
واسوداد وجه الملام : كونه غير مقبول عنده وعند الحق تعالى لأنه صد عن سبيل الله بالغفلة والجهل .
( 4 ) يقول : يحب سمعي العاذل الذي لج في عذله ، وبالغ في خصومته إياي من أجل سماع اسم الحبيب ، مع أن العذل لم يدخل في سمعي لكمال كراهته إياه .
( 5 ) الفلج : تباعد ما بين الأسنان .
يقول : وارحم البرق لما حصل له من القصور الذي أوجب خجله لأنه شارك ثغر الحبيب في البريق واللمعان ، ولكنه خجل لما شاهد قصوره عن الفلج الذي زان ثغر الحبيب .