الذاكر ذلك ، كان الذكر يعمل بخاصيته ، وما تقتضيه حقيقته " .
وأنشد :
أهوى هواه وبعدي عنه يغيبه * فالبعد قد صار لي في حبه أربا
فمن رأى دنفا صبّا أخا شجن * ينأى إذا حبة من أرضه اقتربا
وقال : الذكر حجاب عن المذكور ، ولكونه بمنزلة الدليل ، والدليل متى أعطاك المدلول سقط عنك لتحققك بالمدلول ، فمتى كنت مع المذكور فلا ذكر ، ومتى رددت الباب وجب الذكر عليك ، والذكر للقلب بمنزلة الصقال للمرآة ، ليتحقق بالحق صفاؤه وجلاؤه .
وقال : " مثل الذاكر اللاهي كمثل من ينادي شخصا فإذا أجابه اشتغل عن سماعه ، وكذلك الذاكر يأتيه المذكور فلا يجده حاضرا ، وإنما الأصل المراقبة للمذكور ، فمتى أجابك كنت معه ، وهذا هو الأصل ، والله أعلم " .
وقال في معنى الحديث : ( ما اتخذ الله وليا جاهلا ) « 1 » : إن معناه أن الله سبحانه وتعالى إذا اختصّ له وليا نوّر قلبه ، فكان على بصيرة من ربه " .
وقال في معنى قوله :
إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
« 2 » قال : قيل لي في المنام : تدري ما الواحدة ؟ . إنما أعظك بنفسك والباء ها هنا باء السبب .
هامش
( 1 ) قوله ( ما اتخذ الله من ولي جاهل ، ولو اتخذه لعلّمه ) قال في المقاصد : لم أقف عليه مرفوعا ، وقال الحافظ ابن حجر : ليس بثابت ، ولكن معناه صحيح ، والمراد بقوله " ولو اتخذه لعلمه " لو أراد اتخاذه وليا لعلّمه ثم اتخذه وليا . وقال ابن حجر المكي في فتاواه : معنى قولهم : إن الله تعالى يفيض على أوليائه الذين انتقوا الأحكام الظاهرة والأعمال الخالصة من مواقع الإلهام والتوفيق ، والأحوال والتحقيق ، ما يفرقون به على من عداهم ، فمن ثبتت له الولاية ثبتت له تلك العلوم والمعارف ، فما اتخذ الله وليا جاهلا بذلك ولو فرض أنه اتخذه أي أهّله إلى أن يصير من أوليائه ، لعلّمه . أي لألهمه من المعارف ما يلحقه به غيره .
فالمراد الجاهل بالعلوم الوهبية والأحوال الخفية لا الجاهل بمبادئ العلوم الظاهرة مما يجب تعلمه فإن هذا لا يكون وليا ولا يراد للولاية ما دام على جهله بذلك ، انتهى ، والله أعلم .
انظر : كشف الخفاء للعجلوني 2 / 180 - 181 .
( 2 ) سورة سبأ - الآية 46 .