بقدم العالم ، ومذهبه في أمر النفس وفي الأخلاق أقل روحانية من مذهب أفلاطون ، فكان العرب يرون فيه تعارضا مع تعاليم الإسلام حتى لقد صنف بعض المتكلمين كتبا للرد عليه « 1 » .
ويروى أن يوحنا ، أو يحيى بن بطريق ، أخرج ترجمة قصة طيثماوس لأفلاطون وأنه ترجم أيضا كتاب أرسطو في الآثار العلوية ، وكتاب الحيوان وأجزاء مأخوذة من كتاب النفس ، وترجم كتابه في العالم .
وكان حنين بن إسحاق وأبن أخته حبيش بن الحسن أوفر المترجمين إنتاجا ، ونظرا لأنهم كانوا يشتغلون معا فإنا نجد كتبا كثيرة تنسب للواحد منهم تارة ولواحد آخر منهم تارة أخرى . وشملت ترجمتهم كل علوم ذلك الزمان ، وكانوا يصلحون التراجم الموجودة ويترجمون كتبا جديدة وكان حنين يؤثر ترجمة كتب الطب ، أما ابنه إسحاق فكان أميل إلى ترجمة كتب الحكمة « 2 » .
على أن حركة الترجمة كانت سلاحا ذو حدين ، أفاد العلم من ناحية وأضر بعقائد بعض الناس من ناحية أخرى ، فقد أدت الترجمة إلى تداول الناس الكتب مانى وابن ديصان التي نقلها ابن المقفع وغيره من الفارسية إلى العربية ، فكثر بذلك الزنادقة ، وظهرت آراؤهم في الناس ، فأمعن المهدى في تعقبهم والتنكيل بهم . وأمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب للرد على الملحدين من الجاحدين وغيرهم ، وأقاموا البراهن على المعاندين « 3 » .
ومما لا شك فيه أن حركة الترجمة أوجدت مجالا خصبا للدارسين في مختلف فروع العلم ، ويسرت لهم الاطلاع على كتب العلماء السابقين ، فاستفادوا منها ، وأضافوا إليها تجاربهم ومعارفهم ، الأمر الذي دفع العلوم الطبيعية دفعة كبيرة إلى الأمام .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ص 33 .
( 2 ) المصدر السابق ص 30 .John Glubb : The Empire of the Arabs . p . 333 .( 3 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 554 .