عليه ذلك وأنكره ، ولما أدرك أن الرشيد يعتزم التنكيل به غادر بغداد ، ولم يكن للمتكلمين الحرية في عهد الرشيد في إبداء آرائهم فقد نهى عن الجدال في الدين وزج من خالف ذلك في السجن « 1 » .
على أن المعتزلة أرتفع شأنهم وأنتعشوا في عهد المأمون لأنه أيد المعتزلة وأعتنق مبادئها ، وسار المعتصم على نهجه ، كما أن الواثق كان يؤمن بآراء المعتزلة .
ويجمع المؤرخون على أن بشر بن المعتمر مؤسس الاعتزال في بغداد ، غضب الرشيد منه فقال : بلغني أن بشرا يقول : القرآن مخلوق ، واللّه إن أظفرنى اللّه به لأقتلنه ، فأقام بشرا متواريا أيام الرشيد .
وقد تتلمذ عليه كثيرون مثل أبو موسى المردار وشماسة بن الأشرس وأحمد ابن أبي دؤاد وكان لهم صلات قوية بالمأمون « 2 » .
أما أبو موسى فيرجع إليه الفضل في انتشار الاعتزال في بغداد ، كان ورعا زاهدا فصيح اللسان قوى البيان ، واعظا وقصاصا موفقا وله تلميذان ساهما بنصيب كبير في نشرا آراء المعتزلة في بغداد ، يقال لهما الجعفران ، وهما جعفر بن مبشر ، وجعفر بن حرب سارا سيرة أستاذهما في الورع والزهد والتقوى ، فلا غرو أن نرى هؤلاء العلماء الثلاثة يكثر أنصارهم الذين آمنوا بآرائهم بعد أن رأوا حسن سيرتهم .
ومن أشهر المتكلمين في بغداد أبو الهذيل العلاف ، يرجع إليه الفضل في إدخال الفلسفة على مبادئ المتكلمين ، كان واسع الاطلاع ، فصيح القول ، قوى البيان ، يستشهد بالشعر العربي في مناظراته ، درس الفلسفة اليونانية ، استفاد منها في مناقشاته وإبداء آرائه ، وقد جادل الزنادقة والمجوس وضعاف العقيدة ، وبلغ من قوة إقناعه وتأثيره أن أسلم على يديه ثلاثة آلاف رجل « 3 » .
كما أن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي ، كان من الفضلاء في عصره ،
هامش
( 1 ) الجهشيارى . الوزراء والكتاب ص 290 .
( 2 ) الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ج 7 ص 177 .
( 3 ) دى بور ، تاريخ الفلسفة في الإسلام ص 57 .