ظهر في بغداد علماء عنوا بتأليف الكتب واقتناء النفيس منا ، فمحمد بن عمر الواقدي خلف بعد وفاته ستمائه قمطر كتبا كل قمطر منها حمل رجلين ، وكان له غلامان مملوكان يكتبان له الليل والنهار « 1 » وله عدة مصنفات ، ويذكر ابن خلكان « 2 » أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان عنده ألف جزء من لغات العرب .
كان مركز الحركة الثقافية قبل تأسيس بغداد في البصرة والكوفة ، ثم شيدت بغداد ، فغلبت على المدينتين ، ويقول اليعقوبي « 3 » ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها سعة وكبرا وعمارة وكثرة مياه ، وصحة هواء ، ولأنه سكنها من أصناف الناس وأهل الأمصار والكور وانتقل إليها من جميع البلدان القاصية والدانية وآثرها جميع أهل الآفاق على أوطانهم . .
وهي مع هذا مدينة بني هاشم ودار ملكه ومحل سلطانهم . . واعتدال الهواء وطيب الثرى وعذوبة الماء حسنت أخلاق أهلها ، ونضرت وجوههم وانفتقت أذهانهم حتى فصلوا الناس في العلم والفهم والأدب . ، فليس أعلم من عالمهم ، ولا أروى من راويتهم ، ولا أجدل من متكلمهم ولا أحذق من مفتيهم ولا أعرب من نحويهم ولا أصح من قارئهم ، ولا أمهر من متطيبهم ، ولا أكتب من كاتبهم .
ولا أشعر من شاعرهم . .
العلوم النقلية :
قلنا إن العرب قسموا العلم إلى نقلية وعقلية ، والعلوم النقلية هي علوم الدين واللغة ، ولقد ازدهرت هذه العلوم في بغداد في العصر الذي نؤرخ له ، وعلم القراءات من بين العلوم التي عنى المسلمون به لأنه علم قراءة القرآن ، ولقد كان للقراءات سبع طرق ، كل طريقة تستند في قراءتها إلى أحاديث ، اطمأن شيخها إلى صحتها ودعا أصحابه إلى القراءة بطريقته ومن أشهر قراء بغداد الكسائي ، وهو من القراء السبعة توفى سنة 179 ه ، وكان ينتقل في البلدان « ويقرأ بقراءة
هامش
( 1 ) ابن النديم : الفهرست ص ، 144
( 2 ) وفيات الأعيان ج 1 ص ، 97
( 3 ) البلدان ص ، 233