جرهما من البلاد ، ووليت أمر مكة وصاروا أهلها فجاءهم بنو إسماعيل ، وسألوا الخزاعة السكن معهم ، فأذنوا لهم وسألهم في ذلك مضاض بن عمرو الجرهمى ، وكان قد اعتزل أيضا حرب جرهم وخزاعة ، ولم يدخل بينهم ، واستأذنهم أن يساكنهم ؛ فأبت خزاعة ، وقالوا : من قارب الحرم من جرهم فدمه هدر ، فنزلت إبل لمضاض بن عمرو ودخلت مكة ؛ فأخذتها خزاعة وصارت تنحرها وتأكلها ، فتبع مضاض أثرها فوجدها دخلت مكة ، فسلك الجبال حتى طلع على جبل أبى قبيس ، يتبصر لأهله من بطن وادى مكة ، فأبصر الإبل تنحر وتوكل ولا سبيل إليها ، ورأى إن هبط الوادي قتل ، فولى منصرفا إلى أهله ، وأنشأ يقول :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربع واسطا فجنوبه * إلى المنحنا من ذي الأراكة حاضر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود الغوائر
وأبدلنا عنها الأسا دار غربة * بها الذيب يأوى والعدو محاصر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بهذا البيت والخير ظاهر
وكنا لإسماعيل صهرا وجيرة * فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذاك يا للناس تجرى المقادر
وصرنا أحاديث وكنا بغبطة * كذلك عضدتنا السنون الغوائر
وسحت دموع العين تبكى لبلدة * بها حرم أمين وفيها المشاعر
بواد أنيس لا يصاد حمامة * ولا ينفرن يوما لديه العصافر
وفيها وحوش لا تراب أنيسة * إذا خرجت منها فما أن تغادر
فيا لييت شعري هل تعما بعدنا * جبال وتقضى سيله والظواهر
وهل فرج يأتي بشئ تريده * وهل جذع ينجيك مما تحاذر