تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
وذكره ابن عبد البر في فقهاء مكة ، من أصحاب ابن عباس وقال : كان فقيها خيرا نبيلا فاضلا ، إلا أنه سكن الكوفة ، وهو معدود في الكوفيين . انتهى . وروى عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : لقد مات سعيد بن جبير ، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه . انتهى . وقد أثنى عليه ابن عباس بالعلم ؛ لأنه روى عن جعفر بن أبي المغيرة : كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه ، يقول : أليس فيكم ابن أم الدهماء ؟ يعنى سعيد بن جبير . وكان مع ما رزقه من وفور العلم ، وافر الحظ في العبادة . روى عن هلال بن يساف ، قال : دخل سعيد الكعبة ، فقرأ القرآن في ركعة . وروى الحسن بن صالح عن وفا ، قال : كان سعيد بن جبير ، يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء ، في شهر رمضان . زاد غيره : وكانوا يؤخرون العشاء . وروى عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير ، أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين ، ورويت له كرامات . منها : أنه قال لديك له : قطع اللّه صوتك ، فما سمع له صوت . وإنما قال له ذلك ؛ لأنه كان يقوم من الليل بصياح الديك ، فلم يصح في بعض الليالي حتى أصبح . فلم يصل سعيد تلك الليلة ، فشق عليه ، فقال ما سبق . ومنها : أن رسل الحجاج لما أخذوه ، أتوا به دير راهب ، دلّهم على سعيد ؛ لأن الليل أدركهم ، فسألوه أن يصعد معهم فأبى ، فتركوه بعد أن التزم لهم أن لا يهرب . وكان يأوى إلى الدير في الليل ، لبؤة وأسد ، ولأجلهما نام في الدير رسل الحجاج . فلما دنت اللّبؤة من سعيد ، تحككت به وتمسحت به ، ثم ربضت قريبا منه . وأقبل الأسد فصنع مثل ذلك . ومنها : أن الحجاج حين أمر بذبح سعيد ، قال سعيد : اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدى ، فلم يقتل بعده إلا واحدا ، على ما قال سفيان بن عيينة . ومنها : أنه لما بان رأسه قال : لا إله إلا اللّه ، لا إله إلا اللّه ، ثم قالها الثالثة فلم يتمها . ومنها على ما قيل : إن الحجاج عاش بعده خمس عشرة ليلة ، ووقعت الأكلة في بطنه ، فدعا بالطبيب لينظر إليه ، فنظر إليه ، ثم دعا بلحم منتن فعلقه في خيط ، ثم أرسله في حلقة ، فتركه ساعة ثم استخرجه ، وقد لزق به من الدم ، فعلم أنه ليس بناج . ويقال إنه كان ينادى بقية حياته : ما لي ولسعيد بن جبير ، كلما أردت النوم أخذ برجلي .