فبناء على هذه الأسباب تولدت لديّ رغبة قوية في البحث عن تاريخ الأكراد وجغرافية بلادهم في بطون الكتب الخطية الملقاة في زوايا الإهمال والنسيان في دور الكتب بالقاهرة والآستانة وغيرهما . فعثرت ذات يوم في ( كشف الظنون ) على بعض الأسماء في تواريخ الأكراد مثل ( مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ، وتاريخ شرف خان البدليسي ، والروضتين في أخبار الدولتين ( النورية والأيوبية ) ، والسيرة الصلاحية ) ، إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة في القرون الوسطى في الإسلام بالعربية والفارسية لغتي الفنون والعلوم حينذاك .
ثم علمت من بعض العارفين أن كتاب « شرفنامه » مطبوع في روسيا منذ سبعين عاما أي سنة ( 1860 ) وأنه ترجم من الأصل الفارسي إلى اللغة الفرنسية ، وهو كتاب قيّم متداول بين المستشرقين لا يستغني عنه المشتغلون بتاريخ الشرقين الأدنى والأوسط وجغرافيتها لأنه فضلا عن كونه تاريخا خاصا للأكراد ، فإنه دائرة معارف تاريخية وجغرافيّة للشرقين المذكورين اللذين صارا مسرحا للكثير من الوقائع والحوادث الكبرى كهجرات التتار والتركمان المدمرة التي أدت إلى سقوط الخلافة العباسية ، وقيام دويلات وطوائف ملوك تحت حماية التتار وآل سلجوق كالآق قوينلية والقره قوينلية . . . الخ .
وفي صيف سنة ( 1922 ) سافرت إلى حلب الشهباء فبينما كنت أبحث مع أحد أصدقائي الفضلاء المتشبعين بروح إحياء القومية الكردية من الوجهتين العلمية والاجتماعية ، حول هذا الموضوع الهام تذكرت هذا الكتاب فذكرت له أنه مطبوع في روسيا . وإذا به يبشرني هو بدوره بوجود نسخة خطية في مكتبة المدرسة العثمانية بحلب ، فاستعرتها حالا وشرعت في نسخ القسم الأكبر والأهم الذي يتعلق بالأكراد وكردستان ، تاركا القسم الأقل والأخير الذي سمّاه المؤلف ( خاتمة ) في تواريخ آل عثمان وملوك إيران وطوران .
ولما رجعت في أواخر السنة المذكورة إلى مصر أطلعت حضرة الأستاذ الفاضل الشيخ فرج اللّه زكي الكردي ناشر الكتب العالية الإسلامية ، على ما نقلته من النسخة الحلبية من كتاب شرفنامه طالبا منه طبعه . فأخبرني بأنه كان منذ مدة متشوقا لطبع هذا السفر النفيس ، وأحضر النسخة المطبوعة بروسيا لإجراء الطبع عليها من نسخة الأمير ثريا بك بدر خان الخطية ، فلما سمع بوجود نسختنا الخطية أيضا ، زاد شوقه وقوى عزمه ، واعتمد على الشروع في طبعه .
شرفنامه — صفحة مقدمة 8
مساهمون: يحيى الخشاب
صمقدمة ٨