Skip to main content

الرحلة الورثيلانية ( بنزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار ) — Page 597

Contributors:

P.597
له أطرافنا فرحا بقدومه لما قاسينا من شدة الحر الذي لم نعهد مثله في قطرنا فكانوا ينهوننا عن ذلك ولا ننتهي ويقولون ليس هواء هذه البلدة وبردها كالتي تعهدون فكنا لا نلتفت لذلك ثقة بما نعهد في أنفسنا في بلادنا من الصبر على بردها الذي لا يكون برد هذه البلدة بالنسبة إليه إلا كنسبة زمان الاعتدال قال فكان ذلك مع قدر اللّه تعالى هو السبب في حصول المرض المتطاول لنا ولأصحابنا ويشهد لمقالهم في ذلك قول أمير المؤمنين مولانا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه اتقوا البرد في أول أبانه وتلقوه في آخر أوانه فإنه يفعل بالأبدان ما يفعل بالأشجار فأوله محرق وآخره مورق ذكره الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار له قال ولقد صدقوا في ذلك خصوصا في تلك البلاد فان بدن الإنسان يكون مشتعلا حرارة ويبسا لغلبة الحر فإذا فاجأ البرد البدن في تلك الحرارة أضر به بخلاف البرد الذي يجيء في آخر الأبان فإنه يصادف البدن قد سكنت حرارته واللّه أعلم . ومن عادتهم أن لا يتولى خدمة الحجرة الشريفة والمسجد إلا عبيد أغوات موقوفون على ذلك لا يشاركهم غيرهم وشيخ الحرم هو كبيرهم والأغا بلغتهم كناية عن الخصي من العبيد واختاروا وقف الخصي دون غيره لكونه أطهر وأنزه وأكثر فراغا من الأشغال إذ لا أهل له ولا ولد يشتغل بهم وهو أبعد من دنس الجنابة ومباشرة النساء وهم عدد كثير قريب من الثمانين يزيدون وينقصون بحسب كثرة الراغبين في الوقف وقلتهم والأربعون منهم هم الكبار الذين يأتي رزقهم ومئونتهم من بيت المال وما زاد على ذلك إنما يرزقون من الأوقاف التي لهم بالمدينة أو مما يأتيهم من الهدايا والصدقات من أقطار الأرض ويسمى ما سوى الأربعين البطالين لأنهم إنما يستعملون في الأشغال التي هي خارج الحجرة والمسجد النبوي من الأعمال الممتهنة ولا يجلسون مع الأكابر في الدكة إنما يجلسون خارجها ولهم ضبط وسياسة كسياسة الملوك فلكل واحد منهم رتبة معلومة وشغل معلوم فإذا مر بالأصاغر أحد الأكابر