فرنك الا انها اندثرت بكرور الأيام . وقال ياقوت في كلامه على الإسكندرية يصف المنارة « وأما المنارة فقد رووا لها أخبارا هائلة وادعوا لها دعاوي عن الصدق عادلة وعن الحق مائلة فهي من باب حدّث عن البحر ولا حرج وأكثرها باطل وتهاويل لا يقبلها الا الجاهل ولقد دخلت الإسكندرية وطفتها فلم أر فيها ما يعجب منه الا عمودا واحدا يعرف الآن بعمود السّواري تجاه باب من أبوابها يعرف بباب الشجرة فإنه عظيم جدّا هائل كأنه المنارة العظيمة وهو قطعة واحدة مدوّر منتصب على حجر عظيم كالبيت المربع قطعة واحدة أيضا وعلى رأس العمود حجر آخر مثل الذي في أسفله فهذا يعجز أهل زماننا عن معالجة مثله في قطعه من مقطعه وجلبه من موضعه ثم نصبه على ذلك الحجر ورفع الآخر إلى أعلاه ولو اجتمع عليه أهل الإسكندرية جميعهم فهو يدلّ على شدة حامله وحكمة ناصبيه وعظمة همة الآمر به . اما المنارة ففد شاهدتها في جماعة من العلماء وعاد كل منا متعجبا من تخرّص الرواة وذلك انما هي بنية مربعة شبيهة بالحصن والصومعة مثل سائر الابنية ولقد رأيت ركنا من أركانها وقد تهدّم فدهمه الملك الصالح رزيك أو غيره من وزراء المصريين واستجده فكان أحكم واتقن وأحسن من الذي كان قبله وهو ظاهر فيسه كالشامة لان حجارة هذا المستجد احكم وأعظم من القديم وأحسن وضعا ورصفا . واما صفتها التي شاهدتها فإنها حصن عال على سنّ جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة بارزة في ميناء الإسكندرية بينها وبين البرّ نحو شوط فرس وليس إليها طريق الا في ماء البحر المالح وبلغني انه يحاض من أحد جهاته الماء إليها والمنارة مربعة البناء ولها درجة واسعة يمكن الفارس ان يصعدها بفرسه وقد سقفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفي الدرجة فيرتقي إلى طبقة عالية يشرف منها على البحر بشرفات محيطة بموضع آخر كأنه حصن آخر مربع يرتقى فيه بدرج أخرى إلى موضع آخر يشرف منه على السطح الأول بشرفات أخر وفي هذا الموضع قبة كأنها قبة الديدبان وليس فيها كما يقال غرف كثيرة ومساكن واسعة يضل فيها الجاهل بل الدرجة مستديرة بشيء كالبئر فارغ . زعموا انه مهلك وانه إذا القي فيه الشيء لا يعرف قراره ولم اختبره .
وذكر ابن زولاق ان طول منارة الإسكندرية مائتا ذراع وثلاثون ذراعا وانها كانت في وسط البلد وانما الماء طفح على ما حولها فاخربه وبقيت هي لكون مكانها كان مشرفا على غيره . وذكر ابن الأثير ان رأس المنارة سقط سنة 180 هجرية بزلزلة عظيمة حدثت بمصر . ولما كانت أراضي البلاد المصرية واطية لا تكاد تنكشف عن بعد ثلاثة فراسخ أقام محمد علي المنارة الحالية العجيبة لتهتدي إليها السفن ليلا . ومن آثار الإسكندرية
رحلة مصر والسودان — صفحة 442
مساهمون: محمد مهري كركوكي
ص٤٤٢