تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة مدام ديولافوا من المحمرة إلى البصرة وبغداد — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
بوابة المدينة الكبرى وسمعنا خادم القنصلية الذي كان معنا يدعونا بصوت مرتفع وبلهجة تركية لا نفهمها جيدا إلى مقهى قريب وقال : « ينبغي أن نمكث هنا في انتظار الترامواي الذي سيقدم بعد ساعتين من بغداد » ! لقد كان يظن صاحبنا المسكين هذا أننا لم نقدم إلى هنا إلّا لنتنزه في ركوبنا بهذه الحافلة المهشمة وبهذا الطريق المهدم ، ولعله كان يحسبنا على هذا الأساس ناسا معتوهين ولكننا أفهمناه بالإيماء تارة وبالألفاظ تارة أخرى أننا لم نقدم هنا إلّا لكي نزور المسجد والمقبرة التي هناك ، وينبغي لنا بغير تردد أن نذهب لرؤيتهما . وما إن علم بقصدي هذا حتى بدأ الاضطراب والقلق على وجهه واضحا جليّا بيد أن إصراري أجبره على الإذعان لمشيئتنا . تظهر أزقة الكاظمين أنظف من أزقة بغداد وأن أغلب أهالي هذه المدينة وكسبتها هم من الإيرانيين الذين جاؤوا لزيارة العتبات المقدسة في العراق وبقوا فيها . وبعد أن جبنا قسما من الأزقة والأسواق سار بنا الدليل إلى فسحة كبيرة من الأرض وضعت في الجهات الثلاث منها كميات كبيرة من الخضروات والفواكه ، أما الجهة الأخيرة التي كانت تقابل باب المقبرة فإنها كانت خالية من كل شيء ، وكان العمال يدخلون منها زرافات ووحدانا ولقد دخلت أنا كذلك منها وعبرت خلال أكوام البطيخ والرقي والكلم ( اللهانه ) بصعوبة وألم ولكنني كنت فرحة على رغم ذلك . . لأنني كما كنت أقول لنفسي - ها أنذا اطلع الآن على تلك المقبرة التاريخية التي طالما تمنيت رؤيتها . ولكن أي وهم كان هذا وأي خيال . . فما كاد باعة الخضروات يعرفون بغيتنا حتى تجمهروا حيالنا ومنعونا من الدخول وقالوا : « الدخول إلى ضريح الإمام موسى الكاظم ممنوع . . أنتم نصارى وليس لكم الدخول إلى مثل هذا المرقد الشريف فأنتم أجدر أن تعودوا أدراجكم وتصرفوا النظر عن تحقيق هذه الرغبة » ! ! دهشنا نحن لهذه الأقوال ووقفنا مأخوذين كالمسمّرين في مكاننا لا نبدي حراكا لا للهجتهم وأسلوب حديثهم ، فالواقع أنهم كانوا يتحدثون معنا بأدب ولطف جم ولكننا دهشنا للسبب التافه في منع دخولنا . .