بهذا النداء . فيقول له رجال الحاشية : « يا أمير المؤمنين ! أشرق بطلعتك على رعيتك الذين توافدوا من الأقطار النائية للاستذراء بظل فضلك ! » وعندئذ ينهض الخليفة فيرخى ذيل بردته من مشرفة القصر فيقبل الحجاج على لثمها بكل خشوع . ومن ثم ينادي بهم الحاجب :
« اذهبوا بأمان الله . فإن سيدنا أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام » .
فينصرف الناس فرحين بهذه التحية التي يهديها إليهم الحاجب باسم الشخص الذي له في قلوبهم مقام النبي . « * »
وجميع الأمراء من بيت الخلافة معتقلون في قصورهم الخاصة وراء سلاسل الحديد . وعليهم الحراس الموكلون بهم لكي لا يعلنوا العصيان على كبيرهم الخليفة . فقد حدث لأحد أسلافه أن تمرد عليه إخوته وبايعوا لأحدهم بالخلافة . ومن ذلك اليوم جرت العادة بالحجر على أفراد بيت الخلافة كافة لكي لا يتمردوا على سيد البلاد . غير أن كلا من هؤلاء يعيش في قصر أنيق ويمتلك المدن والضياع ، تدر عليه المال الوافر ، وعليها الوكلاء والأمناء . وهكذا يقضي الأمراء أيامهم بالقصف واللهو « 1 » .
وفي قصر الخلافة من الأبنية ما يحير العقول . ففيه الرخام والأساطين المزوقة بالذهب المزينة بالحجارة النادرة المنقوشة بالريازة البديعة تكسو الحيطان . وفي القصر كنوز وافرة وخزائن طافحة بالذهب والثياب الحرير والجواهر الكريمة .
ومن عادة الخليفة ألا يبارح قصره إلا مرة في العام ، في العيد الذي يسميه المسلمون « عيد رمضان » فيحتشد الناس من أقاصي البلاد
هامش
( 1 ) قابل رواية بنيامين بما جاء في رحلة ابن جبير ( طبعة المكتبة الشرقية ببغداد ص 180 )
* النبي صلى اللّه عليه وسلم أفضل بالنسبة للمسلم حتى من نفسه ، فهذا القول إذن مبالغة من بنيامين ( عبد الرحمن )